فصل في صلاة النفل
(فصل): في صلاة النفل وهو لُغَةً: الزيادَةُ. وشَرْعاً: ما يُثابُ على فِعْلِهِ ولا يُعاقَبُ على تَرْكِهِ. ويُعَبَّرُ عنه بالتطوُّعِ والسُّنَّةِ والمُسْتَحَبِّ والمَنْدوبِ. وثوابُ الفَرْضِ يَفْضُلُه بسبعين درجَةٍ، كما في حديثٍ صحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَة. وشُرِعَ ليُكْمِلَ نَقْصَ الفرائِضِ بل ولِيَقُومَ في الآخِرَةِ لا في الدُّنيا مُقامَ ما تُرِكَ منها لِعُذْرِ، كنِسيانٍ، كما نصَّ عليه. والصلاةُ أفضَلُ عباداتِ البَدَنِ بعد الشهادتين، فَفَرْضُها أفضَلُ الفروضِ، ونَفْلُها أفضَلُ النَّوافِلِ. ويليها الصَّوْمُ، فالحَجُّ، فالزَّكاةُ، على ما جَزَمَ به بعضُهُم، وقيل: أفضَلُها الزَّكاةُ. وقيل: الصَّومُ. وقيل: الحَجُّ. وقيل غير ذلك. والخلافُ في الإِكثارِ مِنْ واحِدٍ أي عُرْفاً مع الاقِتصارِ على الآكَدِ مِنَ الآخَرِ، وإلا فَصَوْم يَوْمٍ أفضَلُ من رَكْعَتَين. وصلاةُ النَّفْلِ قسمان: قسمٌ لا تُسنُّ له جماعَةٌ كالرواتِبِ التابِعَةِ لِلفرائِضِ، وهي ما تأتي آنفاً. (يُسَنُّ) للأخبارِ الصَّحيحَةِ الثابِتَةِ في السُّنَنِ (أربَعُ ركعاتٍ قبلَ عَصْرٍ، و) أربَعٌ قبلَ (ظُهْرٍ و) أربَعٌ (بعدَهُ، وركعتان بعدَ مَغْربٍ) ونُدِبَ وصلُهُما بالفَرْضِ. ولا يُفَوِّت فضيلَةَ الوَصْلِ بإتيانِهِ قبلَهُما الذِّكْرُ المأثورُ بعد المكتوبَةِ. (و) بعدَ (عِشاءٍ) ركعتان خفيفتان (وقبلهما)، إن لم يشتَغِلْ بهما عن إجابَةِ المُؤَذِّنِ. فإن كان بين الأذانِ والإِقامَةِ ما يَسَعهُما فَعَلَهُما، وإلا أخَّرَهُما. (و) ركعتان قبلَ (صُبْحِ)، ويُسَنُّ تخفيفُهُما. وقراءة الكافرون والإِخلاصِ فيهما، لخبرِ مسلم وغيره، ووردَ أيضاً فيهما ألَمْ نَشْرَحَ لكَ وأَلَمْ تَرَ كَيْفَ، وأنَّ مِن داوَمَ على قراءَتِهما فيهما زالَتْ عنه عِلَّةُ البَواسِيرِ، فيُسَنُّ الجَمْعُ فيهما بينَهُنّ لِتَتَحَقَّقَ الإِتيانُ بالوارِدِ، أخذاً مما قالَهُ النووي في: إِنِّي ظَلَمْتَ نَفْسِي ظُلْماً كَثيراً كَبِيراً. ولَمْ يَكُنْ بذلِكَ مُطوَّلاً لَهُما تطويلاً يُخْرِجُ عن حَدِّ السُّنَّةِ والاتِّباعِ، كما قاله شيخنا ابن حجر وزياد. ويُنْدَبُ الاضْطِجاعُ بينَهُما وبينَ الفَرْض إن لم يُؤَخِّرْهُما عنه، ولو غيرَ مُتَهَجِّدٍ. والأَوْلى كَوْنُه على الشِّقِّ الأيمَنِ، فإن لم يَرِدْ ذلك فَصَلَ بنحوِ كلامٍ أو تَحَوُّلٍ.
[تنبيه]: يجوزُ تأخيرُ الرواتِبِ القبلِيَّةِ عن الفَرْضِ وَتكونُ أداءً. وقد يُسَنُّ كأنْ حَضَرَ والصَّلاةُ تُقامُ أو قَرُبَتْ إقامَتُها بحيثُ لو اشْتَغَلَ بها يَفُوتُه تَحَرُّمُ الإِمام فيُكْرَهُ الشروع فيها، لا تقديم البَعْدِيّة عليه لِعَدَمِ دُخولِ وَقْتِها، وكذا بعد خُروجِ الوَقْتِ على الأَوْجَهِ. والمُؤَكَّدُ من الرَّواتِبِ عَشْرٌ، وهو رَكعتان قبلَ صُبْحٍ وظُهْرٍ وبعدَهُ وبعْدَ مَغْربٍ وعِشاءٍ. (وِتْرٌ) (و) يُسَنُّ أي صَلاتُهُ، بعد العِشاءِ، لِخَبَرِ: "الوِتْرُ حَقٌّ على كُلِّ مُسلِم". وهو أفضَلُ من جميعِ الرَّواتِبِ لِلخِلافِ في وُجوبِهِ. (وأقلُّهُ رَكْعَةٌ)، وإن لم يَتَقدَّمْها نَفْلٌ من سُنَّةِ العِشاءِ أو غيرِها. قال في المجموع: وأدْنى الكَمَال ثلاث، وأكمَلُ منه خمسٌ فسَبْعٌ فَتِسْعٌ. (وأكثرُهُ إحدَى عشرة) رَكْعَة. فلا يجوزُ الزِّيادَةُ عليها بِنّيةِ الوِتْرِ، وإنما يَفْعَلَ الوِتْرُ أوتاراً. ولو أحرَمَ بالوِتْرِ ولم يَنْوِ عدداً صَحَّ، واقتَصَرَ على ما شاءَ منه على الأَوْجَهِ. قال شيخنا: وكأنَّ بَحْثَ بعضِهِم إلحاقُهُ بالنَّفْلِ المُطْلَقِ من أن له إذا نَوَى عدداً أن يَزيدَ ويُنْقِصَ تَوَهّمَهُ من ذلك، وهو غَلَطٌ صَريحٌ. وقوله: إنَّ في كلامِ الغزاليِّ عن الفَوْرانِيّ ما يؤخَذ منهُ ذلك، وَهْمٌ أيضاً، كما يُعْلَمُ من البَسيطِ. ويَجْرِي ذلك فيمَن أحرَمَ بسُنَّةِ الظُّهرِ الأرْبَعِ بنيةِ الوَصْلِ فلا يجوزُ له الفَصْلُ بأن يُسَلِّمَ من رَكعتين، وإن نَواهُ قبلَ النَّقْص، خلافاً لمن وَهَمَ فيه أيضاً. انتهى. ويجوزُ لِمَنْ زادَ على ركعَةِ الفَصْلِ بين كل ركعتين بالسلام وهو أفضَلُ من الوَصْلِ بتشهُّدٍ أو تشهُّدين في الرَّكعتين الأخيرتين، ولا يجوزُ الوَصْلُ بأكثرِ من تشهُّدَين. والوصلُ خِلافُ الأَوْلى، فيما عدا الثلاث، وفيها مَكروهٌ لِلنَّهْيِ عنه في خَبَرِ: "ولا تُشَبِّهُوا الوِتْرَ بِصلاِة المَغْرِبِ". ويُسَنُّ لِمَنْ أوْتَرَ بثلاثٍ أن يَقْرَأَ في الأُولى سَبِّحْ وفي الثانِيَةِ الكافرون، وفي الثالِثَةِ الإِخلاصِ والمُعَوِّذَتَيْن للاتِّباعِ. فلو أوْتَرَ بأكثَر من ثلاثٍ فيُسَنُّ له ذلكَ في الثلاثَةِ الأخيرَةِ إن فَصَل عما قَبْلَها، وإلا فلا. كما أفتى به البلقيني. ولِمَنْ أوْتَرَ بأكثَر من ثلاثٍ قراءَةُ الإِخْلاصِ في أُولييه، فَصَلَ أو وَصَلَ. وأن يقولَ بعدَ الوِتْرِ ثلاثاً سبحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ، ويَرْفَعُ صَوْتَهُ بالثالِثَةِ، ثم يقول: اللهُمَّ إني أعوذُ بِرِضاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبِمُعافاتِكَ من عُقوبَتِكَ، وبِك مِنْكَ، لا أُحْصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أَثْنَيْتَ على نفسِك. وَوَقْتُ الوِتْرِ كالتَّراوِيحِ بين صَلاةِ العِشاءِ، ولو بعدَ المَغْرِبِ في جَمْعِ التَّقدِيمِ وطُلوعِ الفَجْرِ، ولو خَرَجَ الوَقْتُ لم يَجُزْ قضاؤها قبلَ العِشاءِ كالرَّواتِبِ البَعْدِيَّة، خلافاً لما رَجَّحَهُ بَعْضُهُم. ولو بانَ بُطلانُ عِشائِهِ بعد فِعْلِ الوِتْرِ أو التَّراويحِ وَقَعَ نَفْلاً مُطْلَقاً.
[فرع]: يُسَنُّ لِمَنْ وَثقَ بيَقْطَتِهِ قبلَ الفَجْرِ بِنَفْسِهِ أو غيرِهِ أن يُؤَخِّرَ الوِتْرَ كلَّهُ لا التراويحَ عن أوَّلِ اللَّيلِ وإن فاتَت الجَمَاعَةُ فيه بالتأخِيرِ في رَمضان، لخَبرِ الشيخين: "اجْعَلُوا آخِرَ صلاتِكُمْ باللَّيْلِ وِتْراً". وتأخِيرُهُ عن صلاةِ الليلِ الواقعَة فيه، ولِمَنْ لم يثق بها أن يعجله قبل النوم. ولا يندب إعادتَه. ثم إنْ فعلَ الوتِرَ بعدَ النومِ حصلَ له به سنّة التهجُّد أيضاً وإلاّ كان وِتراً لا تهجُّداً. وقيلَ: الأولى أن يُوتِر قبلَ أنْ ينامَ مُطلَقاً، ثمّ يقومُ ويتهجَّدُ، لقولِ أبي هُرْيْرَة رضي الله عَنه: أمَرَني رسول الله أن أُوتِرَ قبلَ أن أنام. رواهُ الشيخان.
وقد كان أبو بكرٍ رضيَ عنهُ يُوتِرَ قبلَ أن ينامَ ثُمَّ يَقومُ ويَتَهجَّدُ، وعَمَرُ رضي اللّهُ عنه ينامُ قَبْلَ أن يُوتِرَ ويَقومُ ويَتَهَجَّدُ ويُوتِرُ. فترافَعا إلى رَسولِ الله فقال: {هذا أخَذَ بالحَزْمِ يعني أبا بَكْرٍ وهذا أخَذَ بالقُوَّةِ يعني عُمَرَ }. وقد رُوِيَ عن عثمانَ مثلُ فِعْلِ أبي بكرٍ، وعن عليَ مثلُ فِعْلِ عُمر، رضي الله عنهُم. قال في الوسيطِ: واختارَ الشافِعِيّ فِعْلُ أبي بكرٍ رضي الله عنه. وأما الرَّكعتان اللتان يُصَلِّيهما الناسُ جُلوساً بعد الوِتْرِ فليستا من السُّنَّةِ، كما صَرَّحَ به الجوجري والشيخ زكريّا. قال في المجموعِ: ولا تَغْتَرَّ بِمَنْ يَعْتَقِد سُنِّيَّة ذلكَ ويَدْعُو إليهِ لِجَهالَتِهِ.
(و) يُسَنُّ (الضُّحَى) لِقولِهِ تعالى: {يُسبِّحْنَ بالعَشِيِّ والإِشْراقِ} قال ابن عباس: صلاةُ الإِشراقِ صلاةُ الضُّحى. روَى الشيخان، عن أبي هُرَيْرة رضي الله عنه قال: "أَوْصاني خَليلي بثلاثٍ، صِيامُ ثلاثَة أيامٍ من كُلِّ شهرٍ، ورَكْعَتي الضُّحى، وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنام". وروى أبو داود أنه صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى أي صَلاتَها ثمانِيَ رَكَعاتٍ، وسَلَّمَ مِنْ كلِّ رَكعتين. (وأقَلّها ركعتان وأكثرها ثمانٍ) كما في التَّحقيقِ والمَجموعِ، وعليه الأكثرون. فتَحْرُمُ الزيادَةُ عليها بِنِيَّةِ الضُّحَى، وهي أفضَلُها على ما في الرَّوْضَةِ، وأصْلها: فيجوزُ الزيادَةُ عليها بنيَّتِها إلى ثنتي عشرة، ويُنْدَب أن يُسلِّمَ من كل ركعتين. ووقْتُها مِن ارتِفاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ إلى الزَّوالِ والاخْتِيارُ فِعْلُها عندَ مِضيِّ رُبْعِ النَّهارِ لِحَديثٍ صحيحٍ فيه، فإن ترادَفَتْ فَضِيلَةُ التأخيرِ إلى رُبْعِ النَّهارِ وفَضيلَةُ أدائَها في المَسْجِدِ إن لم يُوءَخّرْها، فالأَوْلى تأخِيرُها إلى رُبْعِ النَّهارِ وإن فاتَ به فِعْلُها في المسجدِ، لأن الفضيلَةَ المُتَعلِّقَة بالوَقْتِ أَوْلى بالمُراعاةِ من المُتَعلِّقَةِ بالمَكانِ. ويُسَنُّ أن يقرأَ سُورَتَيْ والشَّمْسِ والضُّحَى. وورَدَ أيضاً قراءَة الكافِرونَ والإِخلاص. والأَوْجَهُ أنَّ رَكَعَتَيْ الإِشراقِ مِنَ الضُّحَى، خِلافاً للغَزاليّ ومن تَبِعَه. (و) يُسَنُّ (ركعتا تَحِيّةٍ) لِداخِلِ مَسْجِدٍ وإن تكرَّرَ دُخولُه أو لم يُرِدِ الجُلوسَ، خلافاً للشيخ نَصْر. وتَبِعَهُ الشيخ زكريا في شَرْحَيْ المِنْهَجِ والتَّحريرِ بقوله: إن أرادَ الجُلوسَ، لخبرِ الشيخين: "إذا دَخَلَ أحَدُكُم المسجِدَ فلا يَجْلِس حتى يُصَلِّي ركعتين". وتفوتُ التَّحِيَّةُ بالجُلوسِ الطَّويلِ، وكذا القصيرِ إن لم يَسْهَ أو يَجْهَلْ. ويلحَقُ بهما على الأَوْجَه ما لو احتاجَ لِلشُّرْبِ فيقعَدْ لَهُ قليلاً ثم يأتي بها، لا بِطولِ قَيامٍ أو إعراضٍ عنها. ولِمَنْ أَحْرَمَ بها قائِماً القُعودُ لإِتْمامِها. وكُرِهَ تَرْكُها من غيرِ عُذْرٍ. نعم، إن قَرُبَ قيامُ مكتوبَةِ جُمُعَةٍ أو غيرِها، وخَشِيَ لو اشتَغَلَ بالتَّحِيَّةِ فوات فضيلَةِ التَّحَرُّمِ انتظرَهُ قائِماً. ويُسَنُّ لِمَنْ لم يتمكَّنْ منها ولو بِحَدَثٍ أن يقول: سبحانَ اللّهِ والحَمْدُ للّهِ ولا إلهَ إلا الله واللّهُ أكبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللّهِ العَليِّ العَظيمِ، أرْبَعاً. وتُكْرَهُ لِخَطيبٍ دخلَ وَقْتُ الخُطْبَةِ، ولِمُريدِ طَوافٍ دَخَلَ المسجِدَ، لا لِمُدرِّسٍ، خلافاً لِبَعْضِهم. (و) رَكعتا (استِخارَةٍ) وإحْرامٍ وطَوافٍ وَوُضوءٍ. وتَتأدَّى ركعتا التَّحِيَّةِ وما بَعْدَها بركعتين فأكثرُ من فَرْضٍ أو نَفْلٍ آخَر، وإن لم يَنْوِها معه، أي يَسْقُط طَلَبُها بذلك. أما حُصولُ ثوابِها فالوَجْهُ تَوَقُّفُه على النِّيَّةِ، لِخَبرِ: "إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ". كما قالَهُ جَمْعٌ متأخِّرون، واعتمَدَهُ شيخُنا. لكن ظاهِر كلامِ الأصحاب حصولُ ثوابِها وإن لم يَنْوها معه، وهو مُقْتَضى كلامُ المجموعِ. ويَقْرَأُ نَدْباً في أُولى رَكْعَتَي الوُضوءِ بعد الفاتِحَةِ: {وَلَوْ أنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى {رَحِيماً} والثانِيَة: {ومَنْ يَعْمَل سُوءاً أو يَظْلِم نَفْسَهُ} إلى {رَحِيماً}. ومنه صلاةُ الأوَّابين، وهي عشرونَ رَكْعَة بين المَغْرِبِ والعِشاءِ، ورُوِيَتْ سِتاً وأرْبَعاً، ورَكْعَتَين، وَهُما الأقلّ. وتَتَأدَّى بفوائِت وغيرها، خِلافاً لشيخنا، والأَوْلى فِعْلُها بعد الفَراغِ من أَذكارِ المَغْرِبِ. وصلاةُ التَّسبيحِ وهي أربَعُ رَكَعاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ أو تسليمتين. وحَديثُها حَسَنٌ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ، وفيها ثوابٌ لا يَتَنَاهَى. ومن ثم قال بَعْضُ المُحَقِّقين: لا يَسْمَع بِعَظيمِ فَضْلِها ويَتْرُكُها إلا مُتهاوِنٌ بالدِّين. ويقولُ في كلِّ رَكْعَةٍ منها خَمْسَةِ وسبعين سبحانَ اللّهِ والحَمْدُ للّهِ ولا إلهَ إلاَّ اللّهُ واللّهُ أكْبَرُ، خَمسَةَ عَشرَ بعدَ القِراءَةِ وعَشْراً في كلَ مِنَ الرُّكوعِ، والاعتِدالِ، والسُّجودَيْن، والجُلوسِ بينهما بعد الذّكْرِ الوارِدِ فيها، وجلْسَةِ الاستراحَةِ. ويُكَبِّر عندَ ابتدائِها دونَ القيامِ منها، ويأتي بها في محلِّ التشهُّدِ قبله. ويجوزُ جَعلُ الخمسةَ عشَرَ قبلَ القراءَةِ، وحينئذٍ يكونُ عشْرُ الاستراحَةِ بعدَ القِراءَةِ. ولو تَذَكَّرَ في الاعتِدالِ تَرْكَ تَسبيحاتِ الرُّكوعِ لم يَجُزْ العَوْدُ إليه ولا فِعْلُها في الاعتِدال لأنَّه رُكْنٌ قصيرٌ، بل يأتي بها في السُّجودِ. ويُسَنُّ أن لا يُخْلي الأسبوعَ منها أو الشَّهرَ.
والقِسمُ الثاني ما تُسَنُّ فيه الجَماعَةُ، (و) هو: (صلاةُ العيدَيْن) أي العيد الأكَبرِ والأصْغَرِ، بين طلوعِ شَمْسٍ وزَوالِها. وهي ركعتان، ويُكَبِّر نَدْباً في أُولى رَكْعَتي العِيدَيْن ولو مَقْضِيَّةً على الأَوْجَه بعد افْتِتاحٍ سَبْعاً، وفي الثانية خمساً، قبل تَعَوُّذ فيهما، رافِعاً يدَيْهِ مع كلِّ تكبيرَةٍ ما لم يُشْرِعْ في قِراءَةٍ. ولا يَتَدارَك في الثانية إن تَرَكَهُ في الأُولى. وفي ليلَتِهما من غروبِ الشَّمس إلى أن يُحْرِمَ الإِمامُ مع رَفْعِ صَوْتٍ، وعَقِبَ كل صَلاةٍ، ولو جَنازَةٍ، من صُبْحِ عَرَفَة إلى عَصْرِ آخِرِ أيامِ التَّشْريقِ، وفي عشر ذي الحجَّةِ حين يرى شيئاً من بَهِيمَةِ الأنْعامِ أو يَسْمَع صَوْتَها. (و) صلاةُ (الكُسوفَيْنِ) أي كُسوف الشَّمسِ والقَمَرِ. وأقَلّها ركعتان كسُنَّة الظُّهرِ، وأَدْنى كمالِها زيادَةُ قيامٍ وقراءَةٍ ورُكوعٍ في كل رَكْعَةٍ، والأَكْمَلُ أن يَقْرَأ بعدَ الفاتِحَةِ في القيامِ الأوَّل البَقرَةَ أو قَدْرَها، وفي الثاني كمائتي آيةٍ منها، والثالث كمائِة وخَمْسين، والرابع كمائة. وأن يُسَبِّحَ في أوَّل ركوعٍ وسجودٍ كمائِة من البَقَرةِ، وفي الثاني من كل منهما كثمانين، والثالث منهما كَسَبْعين، والرابع كخمسين. (بِخُطْبَتَيْن) أي مَعَهُما (بعدَهُما) أي يُسَنُّ خطبتان بعد فِعْلِ صلاةِ العيدَيْن ولو في غَدٍ فيما يَظْهَر والكُسوفَيْن ويفتَتِحُ أُولى خُطْبَتَي العِيدَيْنِ لا الكُسوف بِتِسعِ تكبيراتٍ، والثانية بِسَبْعِ ولاءٍ. وينبغي أن يَفْصلَ بين الخُطبتين بالتَّكبيرِ، ويكثرَ منه في فُصولِ الخُطبَةِ. قاله السَّبْكيّ. ولا تُسَنّ هذه التَّكبيراتِ لِلحاضِرينَ. (و) صَلاةُ (استِسْقاءٍ) عندَ الحاجَةِ للماءِ لِفَقْدِهِ أو مُلوحَتِهِ أو قِلَّتِهِ بحيثُ لا يكفي. وهي كَصلاةِ العيدِ، لكن يَسْتَغْفِر الخَطيبُ بَدَلَ التكبيرِ في الخُطْبَةِ، ويستقبِل القِبلَةَ حالة الدُّعاءِ بعد صَدْرِ الخُطْبَةِ الثانِيَةِ، أي نحو ثُلُثها. (و) صَلاةُ (التَّراوِيحِ)، وهي عشرونَ رَكْعَةً بعَشْرِ تَسلِيماتٍ، في كلِّ ليلةٍ مِن رمضان، لِخَبر: "مَنْ قامَ رمضان إيماناً واحْتِساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ". ويَجِبُ التسليمُ من كلِّ ركعتين، فلو صلَّى أربعاً منها بتسليمَةٍ لم تَصُحّ، بخلافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ والضُّحَى والوتْرِ. وينوي بها التراويحَ أو قيامَ رمضان، وفِعْلُها أوَّلُ الوَقْتِ أفضَلُ من فِعْلِها أثناءَهُ بعدَ النَّومِ، خلافاً لما وَهَمَهُ الحليمِيّ. وسُمِّيَتْ تروايحُ لأنَّهُمْ كانوا يَستريحُونَ لِطولِ قيامِهم بعد كُلِّ تَسليمَتَين، وسِرُّ العِشرين أن الرَّواتِبَ المُؤَكَّدَةَ في غيرِ رَمَضان عَشْرٌ فَضُوعِفَتْ فيه لأنه وَقْتُ جِدَ وتَشْمِيرٍ. وتكريرُ قُلْ هُوَ اللّهُ أحد ثلاثاً ثلاثاً في الرَّكعات الأخيرَةِ من رَكعاتِها بِدْعَةٌ غيرُ حَسَنَةٍ لأن فيه إخْلالاً بالسُّنَّةِ، كما أفتى به شيخنا.
ويُسَنُّ التَّهَجُّدُ إجماعاً، وهو التَّنَفُّلُ لَيْلاً بعدَ النَّوْمِ. قال الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ} ووَردَ في فضلِهِ أحاديثٌ كثيرَةٌ وكُرِهَ لِمُعْتادِهِ تَرْكُهُ بلا ضَرورَةٍ. ويتأكَّد أن لا يَخِلّ بِصلاةٍ في اللَّيْل بعدَ النَّوْمِ ولو ركعتين لِعِظَمِ فَضْلِ ذلك. ولا حَدَّ لِعَدَدِ رَكَعاتِهِ، وقيل: حَدُّها ثنتا عشرة، وأن يُكْثِرَ فيه مِنَ الدُّعاءِ والاستِغْفارِ. ونصفُهُ الأخيرُ آكدٌ، وأفضلَهُ عندَ السَّحَرِ لقولِهِ تعالى: {وبالأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرونَ} وأن يوقِظَ مَنْ يَطْمَعَ في تَهَجُّدِهِ. ويُنْدَبُ قضاءُ نَفْلٍ مُؤقَّتٍ إذا فاتَ كالعيدِ والرُّواتِبِ والضُّحَى، لا ذي سَبَبٍ ككُسوفٍ وتَحِيَّةٍ وسُنَّةِ وُضوءٍ. ومَنْ فاتَهُ وِرْدُهُ أي من النَّفْلِ المُطْلَقِ نُدِبَ له قَضاؤُه، وكذا غيرُ الصَّلاةِ، ولا حَصْرَ لِلنَّفْلِ المُطْلَقِ، ولَهُ أن يَقْتَصِرَ على رَكْعَةٍ بِتَشهُّدٍ مع سلامٍ بلا كَراهَةٍ، فإن نَوَى فَوْقَ رَكْعَةٍ فَلَهُ التشهُّدُ في كلِّ رَكْعَتَيْن وفي ثلاثٍ وأربَعٍ فأكثر، أو نوى قَدْراً فلَهُ زيادَةٌ ونَقْصٌ إن نُوِياً قبلَهُما وإلاَّ بَطلَت صَلاتُه. فلو نَوَى ركعتين فقامَ إلى ثالِثَةٍ سَهْواً ثم تَذَكّرَ فيَقْعُدَ وُجوباً، ثم يَقومَ للزيادَةِ إن شاءَ ثُمَّ يسْجُدَ للسَّهو آخر صلاتِه. وإن لم يشأ قَعَدَ وتشهَّدَ وسجَدَ للسَّهْوِ وسَلَّمَ. ويُسَنُّ للمُتَنَفِّلِ ليلاً أو نهاراً أن يُسَلِّمَ من كل ركعتين، للخَبَرِ المُتَّفَقِ عليه: "صلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى". وفي روايَةٍ صحيحَةٍ: "والنَّهارِ". قال في المجموع: إطالَةُ القِيامِ أفضَلُ من تكثِيرِ الرَّكعاتِ. وقال فيه أيضاً: أفضَلُ النَّفْلِ عيدٌ أكبَرُ، فأصْغَرُ، فَكُسُوفٌ. فخسوفٌ، فاسْتِسقاءٌ، فَوِتْرٌ، فرَكْعَتا فَجْرٍ، فبقيَّةُ الرَّواتِبِ، فجميعُها في مَرْتَبةٍ واحِدَةٍ. فالتراويحُ، فالضُّحَى، فركعتا الطوافِ والتحِيَّةِ والإِحرامِ، فالوُضوءِ.
[فائدة]: أما الصَّلاةُ المعروفَةُ لَيْلَةَ الرَّغائِبِ ونصف شعبان ويوم عاشوراء فبِدْعَةٌ قَبيحةٌ، وأحاديثُها موضوعَةٌ. قال شيخنا: كابنِ شُبْهَة وغيره. وأقبَحُ منها ما اعتيدَ في بَعْضِ البلادِ من صلاةِ الخَمْسِ في الجُمُعَةِ الأخيرَةِ من رمضان عَقِبَ صلاتِها زاعِمين أنها تُكَفِّر صَلواتِ العامِ أو العُمُرِ المَتْرُوكَةِ، وذلك حَرامٌ. (والله أعلم).