فصل في صفة الصلاة
(فصل): في صفة الصلاة (أركانُ الصلاةِ) أي فروضُها: أربعَةُ عَشر، بِجَعْلِ الطُّمأنِينَةِ في مَحالِّها رُكْناً واحِداً.
نِيَّةٌ
أحدها: (نِيَّةٌ) وهي القَصْدُ بالقَلْبِ، لِخَبرِ: "إنَّما الأعمَالُ بالنِّيَّاتِ". (فيَجِبُ فيها) أي النِيّة (قَصْدُ فِعْلِها) أي الصّلاة، لتتميز عن بقية الأفعال (وتعيينها) من ظهر أو غيرها، لِتَتَميَّز عن غيرِها، فلا يكفي نِيَّةُ فَرْضِ الوَقْتِ. (ولو) كانت الصَّلاةُ المَفْعولةُ (نَفْلاً) غيرَ مُطْلَقٍ، كالرَّواتِبِ والسُّنَنِ المُؤقَّتَةِ أو ذاتِ السَّبَبِ، فيجبُ فيها التعيينُ بالإِضافَةِ إلى ما يُعَيِّنُها كَسُنَّةِ الظُّهْرِ القَبْلِيّة أو البَعْدِيَّة، وإن لم يُؤِخِّر القَبْلِيّة. ومثلها كلّ صلاةٍ لها سُنَّةٌ قَبْلَها وسُنَّةٌ بَعْدَها، وكعيدِ الأضْحَى أو الأكبَرِ أو الفِطْرِ أو الأصغرِ، فلا يكفي صلاةُ العيدِ والوِتْرِ سَواءٌ الواحِدَة والزَّائِدَة عليها، ويكفي نيَّة الوتِر من غيرِ عَدَدٍ. ويحملُ على ما يُرِيدُه على الأَوْجَه، ولا يكفي فيه نيَّة سُنَّةِ العِشاءِ أو راتِبتها، والتراويحِ والضُّحى، وكاستِسْقاءٍ وكُسوفِ شمس أو قَمَرٍ. أما النَّفلُ المُطْلَقُ فلا يجبُ فيه تعيينٌ بل يكفي فيه نيَّة فِعْلِ الصَّلاةِ، كما في رَكْعَتَيْ التَّحِيَّة والوضوء والاستِخارَةِ، وكذا صلاةِ الأوَّابين، على ما قالَه شيخنا ابن زياد والعلاَّمة السُّيُوطِيّ رحِمَهُما الله تعالى. والذي جزمَ به شيخنا في فتاويه أنه لا بدَّ فيها من التَّعَيُّن كالضُّحَى. (و) تجبُ (نيَّةُ فَرْضٍ فيه) أي في الفَرْضِ، ولو كفايةً أو نَذْراً، وإن كان النَّاوي صَبِيّاً، لِيَتَميَّزَ عن النَّفْلِ. (كَأُصَلِّي فَرْضَ الظُّهْرِ) مثلاً، أو فَرْضَ الجُمُعَةِ، وإن أدْرَكَ الإِمامَ في تَشَهُّدِها.
(وسُنَّ) في النِّيَّةِ (إضافَةٌ إلى الله) (تعالى)، خروجاً من خلاف من أوجبها، ولِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الإخْلاصِ. (وَتَعَرُّضٌ لأداءٍ أو قَضَاءٍ) ولا يَجِبُ وإن كان عليه فائِتَةٌ مُماثِلَةٌ للمُؤَدّاةِ، خلافاً لما اعتمده الأذرعي. والأصَحّ صحّة الأداء بنية القَضاءِ، وعَكْسه إن عُذِرَ بِنَحْوِ غَيْمٍ، وإلا بَطُلَتْ قَطْعاً لِتَلاعُبِهِ، (و) تَعَرُّضٌ (لاستِقْبالٍ وعدَدِ ركعاتٍ) للخروجِ من خلافِ من أوجَبَ التَّعرُّضَ لهما. (و) سُنّ (نُطْقٌ بِمَنَوِيّ) قبلَ التكبيرِ، لِيْساعِدَ اللِّسانُ القَلْبَ، وخروجاً من خِلافِ من أَوْجَبَه. ولو شَكَّ: هل أتى بِكَمالِ النَّيةِ أو لا؟ أو هل نَوَى ظُهْراً أو عَصْراً؟ فإن ذَكَرَ بعدَ طُولِ زمانٍ، أو بَعْدَ إتيانِهِ بِرُكْنٍ ولو قَوْلياً كالقِراءَةِ بَطُلَتْ صلاتُهُ، أو قَبُلَهُما فلا.
تكبيرُ تَحَرُّم
(و) ثانيها: (تكبيرُ تَحَرُّم) للْخَبَرِ المُتَّفِقَ عليهِ: "إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ". سُمَّيَ بذلكَ لأن المُصَلِّي يَحْرُمُ عليه به ما كان حَلالاً له قَبْلَه من مُفْسِدَاتِ الصَّلاةِ، وجَعْل فاتِحةِ الصَّلاةِ لِيَسْتَحْضِرَ المُصَلِّي معناهُ الدَّالُّ على عَظَمَةِ من تَهَيَّأ لِخِدْمَتِهِ حتى تَتمّ له الهَيْبَةُ والخُشوعُ، ومن ثَمَّ زيدَ في تِكرارِهِ لِيَدُومَ استِصْحَابَ ذَيْنِكَ في جَميعِ صَلاتِهِ. (مَقْرُوناً بِهِ) أي بالتَّكبيرِ، (النيَّة) لأن التكبيرَ أوَّلُ أرْكانِ الصَّلاةِ فتجِب مُقارَنَتُها به، بل لا بُدَّ أن يستَحْضِرَ كل مُعْتَبَرٍ فيها مما مَرَّ وغيره. كالقَصْرِ للقاصِرِ، وكونه إماماً أو مأموماً في الجُمُعَةِ، والقُدْوَةِ لِمَأموم في غيرها، مع ابتدائِه. ثم يستمِرّ مُسْتَصْحِباً لذلِكَ كلّه إلى الرَّاءِ. وفي قولٍ صحَّحَهُ الرافعيُّ، يكفي قَرْنُها بأوَّلِهِ. وفي المجموع والتَّنقيحِ المُخْتارِ ما اختَارَهُ الإِمامُ والغزاليُّ: أنه يكفي فيها المُقارنَةُ العُرْفِيَّة عِنْدَ العَوَامِ بحيثُ يُعَدّ مُستَحْضِراً لِلصَّلاةِ. وقال ابنُ الرِّفْعَة: إنه الحَقّ الذي لا يجوزُ سِواهُ. وصَوَّبَهُ السَّبكيّ، وقال: من لم يقلْ به وَقعَ في الوَسْواسِ المَذْمومِ. وعند الأئِمَّةِ الثلاثة: يجوزُ تقديمُ النيةِ على التكبيرِ بالزَّمَنِ اليَسِيرِ. (ويَتَعيَّنُ) فيه على القادِرِ لَفْظُ: (الله أكبرُ) للاتِّباعِ، أو الله الأكبر. ولا يَكْفِي أكبِّرُ اللّهَ، ولا اللّهُ كبِيرٌ، أو أُعَظِّمُ، ولا الرَّحْمنُ أكْبَرُ. وَيَضُرّ إخْلالٌ بِحَرْفٍ مِن اللّهُ أكْبَرُ. وزِيادَةُ حَرْفٍ يُغَيِّرِ المَعْنى، كَمَدِّ هَمْزَةِ الله، وكأَلِفٍ بعدَ الباءِ، وزيادَة واوٍ قبلَ الجلالَةِ، وتَخْلِلُ واوٍ ساكِنَةٍ ومُتَحرِّكَةٍ بين الكَلِمَتينِ، وكذا زيادَةُ مَدِّ الألِفِ التي بين اللاّمِ والهَاءِ إلى حَدِّ لا يَراهُ أحَدٌ مِنَ القُرَّاءِ. ولا يَضُرُّ وَقْفَةٌ يَسيرَةٌ بين كَلِمَتيْهِ، وهي سَكْتَةُ التَّنَفُّسِ، ولا ضَمُّ الرَّاءِ.
[فرع]: لو كَبَّرَ مَرّاتٍ ناوياً الافْتِتاحَ بكلَ: دَخَلَ فيها بالوَتْرِ وخَرَجَ منها بالشَّفْعِ، لأنه لما دَخَلَ بالأولى خَرَجَ بالثانِيَةِ، لأن نيةَ الافتِتاحِ بها مُتَضمِّنَة لِقَطْعِ الأولى. وهكذا، فإن لم يَنْوِ ذلك، ولا تَخَلَّلَ مُبْطِلٌ كإعادَةِ لَفْظِ النيّة، فما بعدَ الأولى ذِكْرٌ لا يُؤثِّر.
(ويجبُ إسماعُهُ) أي التَّكبير، (نَفْسَهُ) إن كان صَحِيحَ السَّمْعِ، ولا عارِضَ مِن نَحْوِ لَغَطٍ. (كسائِرِ رُكْنٍ قَوْلِيّ) من الفاتِحَةِ والتَّشَهُّدِ والسَّلامِ. ويعتَبَرُ إسماعُ المندوبِ القَوْلِيّ لِحُصُول السُّنّة. (وسُنَّ جَزْمُ رائِهِ) أي التَّكبِير، خُروجاً من خِلافِ من أوجبَه وجَهْرٌ بهِ لإِمامٍ كسائِرِ تكبيراتِ الانتِقالاتِ، (ورَفْعُ كَفِّيْهِ) أو إحداهُما إن تَعسَّرَ رَفْعُ الأخرى، (بِكَشْفٍ) أي مع كَشْفِهِما، ويُكْرَهُ خِلافُه. ومع تفريقِ أصابِعِهما تفريقاً وسَطاً، (خذْوَ) أي مقابِلَ (مِنْكَبَيهِ) بحيثُ يحاذِي أطرافُ أصابِعه على أُذُنيْه، وإبهاماهُ شُحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وراحَتاه مَنْكِبَيْه، للاتِّباع. وهذه الكيفية تُسَنّ (مع) جَميعِ تكبيرِ (تَحرُّمٍ) بأن يُقْرِنَهُ بهِ ابتداءً ويُنْهِيهِما معاً. (و) مع (ركوع) للاتِّباعِ الوارددِمن طُرُقٍ كثيرةٍ. (ورَفعٍ منه) أي مِنَ الرُّكوعِ. (و) رفعً (من تَشَهُّدٍ أوَّل) للاتِّباع فيهما. (وَوضْعُهُما تحتَ صَدْرِهِ) وفَوْقَ سُرَّتِهِ للاتِّباع. (آخذاً بيمِينه) كُوعَ (يَسارِهِ) ورَدُّهُما من الرَّفْعِ إلى تحت الصَّدْرِ أَوْلَى من إرسالِهِما بالكُلِّيَّةِ، ثم استئنافِ رَفْعِهِما إلى تحت الصدر. قال المُتَولّي، واعتمدَهُ غيرُه : ينبغي أن يَنظُرَ قبل الرَّفْعِ والتَّكبيرِ إلى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ويُطْرِقَ رأسَه قليلاً ثم يَرْفَع.
قيام
(و) ثالثها: (قيام قادِرٍ) عليه بنفسه أو بغيره (في فَرْضٍ) ولو مَنْدوراً أو مُعاداً. ويَحْصُل القيامُ بِنَصْبِ فِقارِ ظهرهِ أي عِظامِه التي هي مفاصِلُه ولو باستنادٍ إلى شيءٍ بحيثُ لو زالَ لَسقطَ. ويُكرَهُ الاستِنادُ لا بانحناءٍ إن كان أقْرَبُ إلى أقلِّ الرُّكوع، إن لم يَعْجَزْ عن تمامِ الانْتِصابِ. (ولعاجِز شَقَّ عليه قيامٌ) بأن لَحقَهُ به مَشَقَّةٌ شديدةٌ بحيثُ لا تُحْتَمَلُ عادةً وضَبَطَها الإِمامُ بأن تكونُ بحيثُ يَذْهبُ مَعَها خُشوعُه (صلاةٌ قاعداً) كراكِبِ سفينةٍ خافَ نحو دورانِ رأسٍ إن قامَ، وسَلِس لا يَسْتَمْسَك حَدَثَهُ إلاَّ بالقُعودِ. ويَنْحَني القاعِدُ للرُّكوعِ بحيث تحاذي جَبْهَتُهُ ما قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ.
[فرع]: قال شيخنا: يجوزُ لمريضٍ أمْكَنَهُ القيامُ بلا مَشقَّةٍ لو انْفَرَدَ، لا إن صَلَّى في جماعَةٍ إلاَّ مع جُلوسٍ في بَعْضِها، الصَّلاةُ مَعَهُم معَ الجُلوسِ في بَعْضِها، وإن كان الأفْضَلُ الانفِرادُ. وكذا إذا قرَأَ الفاتِحَة فقَط لم يَقْعدْ، أو والسُّورَةَ قَعَد فيها جازَ لَهُ قراءَتها مع القُعودِ، وإن كانَ الأفْضَلُ تَرْكَها. انتهى.
والأفضلُ للقاعِدِ الافْتِراشُ، ثم التَّربُّعُ، ثم التَّورُّك، فإن عَجزَ عن الصَّلاةِ قاعداً صلَّى مُضْطَجِعاً على جَنْبِهِ، مُسْتَقبلاً لِلقِبلَةِ بِوَجْهِهِ ومُقدَّمِ بَدَنهِ، ويُكْرَهُ على الجَنْب الأَيْسَرِ بلا عُذْرٍ. فَمُسْتَلْقِياً على ظَهْرِهِ وأَخْمَصاهُ إلى القِبْلَةِ، ويجبُ أن يضعَ تحتَ رأسِه نحوَ مِخدَّةٍ ليستقبِل بوَجهِهِ القِبلَةَ، وأن يُومىء إلى صوْب القبلةِ راكِعاً وساجِداً، وبالسجودِ أخْفَضُ من الإِيماءِ إلى الرُّكوعِ، إن عَجَزَ عَنْهُما. فإن عَجَزَ عن الإِيماءِ برأسِهِ أَوْمأَ بأجْفانِهِ. فإن عَجَزَ، أجْرَى أفعالَ الصَّلاةِ على قَلْبِه، فلا تَسْقُط عنه الصلاةُ ما دامَ عَقْلُهُ ثابتاً. وإنما أخَّروا القِيامَ عن سابِقَيْهِ مع تَقَدُّمِهِ عليهما لأنهما رُكْنانِ حتى في النَّفْلِ، وهو رُكْنٌ في الفَريضَة فقط. (كمُتَنَفِّلٍ) فيجوز له أن يُصَلّيَ النَّفْلَ قاعِداً ومُضْطَجِعاً، مع القُدْرَةِ على القِيامِ أو القُعودِ. ويَلْزَمُ المُضْطَجِع القعود للرُّكوعِ والسجودِ، أما مُسْتَلْقِياً فلا يَصُحّ مع إمكانِ الاضطجاعِ. وفي المجموع: إطالَةُ القِيامِ أفضَلُ من تكثيرِ الرَّكعاتِ. وفي الروضة: تطويُل السُّجودِ أفضَلُ من تطويل الرُّكوع.
قِراءَةُ فاتِحَةِ
(و) رابعها: (قِراءَةُ فاتِحَةِ كل رَكْعَةٍ) في قيامِها، لخبرِ الشيخين: "لا صلاةَ لِمَنْ لمْ يَقْرَأُ بِفاتِحَةِ الكِتابِ". أي في كلِّ رَكْعَةٍ. (إلاَّ رَكْعَة مَسْبوقٍ) فلا تَجِب عليهِ فيها حيثُ لم يُدْرِكْ زَمَناً يَسَعُ الفَاتِحَةَ من قِيام الإِمامِ، ولو في كلِّ الركعات لِسَبقِهِ في الأولى وتخلُّف المأمومِ عنه بِزَحْمَةٍ أو نِسيانٍ أو بُطءِ حَرَكَةٍ، فلم يَقُمْ من السُّجودِ في كلّ مما بَعْدَها إلاَّ والإِمامُ راكِعٍ، فيتحَمَّلُ الإِمامُ المُتطَهِّرُ في غيرِ الرَّكعةِ الزائدَةِ الفاتِحَةَ أو بَقِيَّتَها عنه. ولو تأخَّرَ مَسْبوقٌ لم يَشْتَغِلْ بِسُنَّةٍ لإِتمامِ الفاتِحَةِ فلم يُدْرِكِ الإِمامَ إلاَّ وهُوَ مُعْتَدِلٌ لَغَتْ رَكْعَتُهُ. (مع بَسْمَلةٍ) أي مع قراءَةِ البَسْمَلَةِ فإنَّها آيةٌ منها، لأنهُ قَرأَها ثُمَّ الفَاتِحَةَ وَعدَّها آيةً منها. وكذا مِن كُلِّ سورَةٍ غيرَ بَراءَة. (و) مَعَ (تَشْدِيداتٍ) فيها، وهيَ أرْبَعُ عَشَرَةٍ، لأن الحَرْفَ المُشَدَّدَ بِحَرْفَيْنِ.
فإذا خُفِّفَ بَطَلَ مِنها حَرْفٌ. (و) مع (رِعايَةِ حُروفٍ) فيها، وهي على قِراءَةِ مَلِكِ بلا ألِفٍ مائةٌ وواحِدٌ وأربعون حَرْفاً، وهي مع تشديداتها مائةٌ وخَمْسَةٌ وخَمسونَ حَرْفاً. (ومخارِجُها) أي الحُروف، كَمَخْرَجٍ ضادٍ وغَيرها. فلو أبْدَلَ قادِرٌ أو من أمْكَنَهُ التَّعَلُّم حَرْفاً بآخَرَ، ولو ضاداً بِظاءٍ، أو لَحَنَ لَحْناً يُغيِّرُ المَعْنَى، كَكَسْرِ تاءِ أَنْعَمْتَ أو ضَمِّها وكَسْرِ كافِ إيَّاكَ لا ضَمّها، فإن تَعَمَّدَ ذلكَ وعَلِمَ تَحريمَهُ بَطُلَتْ صَلاتُه، وإلاّ فقراءَتُه. نعم. إن أعادَهُ الصَّوابِ قبلَ طُولِ الفَصْلِ كَمّلَ عَلَيْها. أما عاجِزٌ لم يُمْكِنهُ التَّعَلُّمَ فلا تَبْطَلْ قِراءَتُهُ مُطْلقاً، وكذا لاحِنٌ لَحْناً لا يُغَيِّر المَعْنى، كفَتْحِ دَالِ نَعْبُدُ، لكنهُ إنْ تَعَمّدَ حَرُمَ، وإلا كُرِهَ.
وَوَقَعَ خلافٌ بين المتقدمين والمتأخرين في الهَمْدُ لله بالهَاءِ وفي النُّطْقِ بالقافِ المُتَرَدِّدَة بينها وبين الكافِ. وجَزمَ شيخنا في شرحِ المِنهاجِ بالبُطلانِ فيهِما إلا إن تَعذَّرَ عليهِ التَّعَلُّم قبلَ خروجِ الوَقتِ. لكن جَزَمَ بالصِّحَّةِ في الثانيةِ شيخُه زكريا، وفي الأولى القاضي وابنُ الرِّفعة. ولو خَفَّفَ قادِرٌ أو عاجِزٌ مُقَصِّرٌ مُشَدَّداً كأن قَرَأَ ال رَحْمنِ بِفَكِّ الإِدْغامِ بَطُلَتْ صَلاتَهُ إن تَعَمَّد وعَلِمَ، وإلا فَقِراءَتُهُ لتلك الكَلِمَةِ. ولو خَفَّفَ إياكَ، عامِداً عالِماً مَعْنَاهُ، كَفَرَ لأَنَّهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ، وإلا سَجَدَ لِلسَّهْوِ. ولو شَدَّدَ مُخَفَّفاً صَحَّ، وَيَحْرُمُ تَعْمُّدُهُ كَوَقْفَةٍ لَطِيفَةٍ بين السِّينِ والتَّاءِ من نَسْتَعِين. (و) مَعَ رِعايَةِ (مُوالاةٍ) فيها بأن يأتي بِكلِماتِها على الوَلاءِ بأن لا يَفْصُلَ بينَ شيءٍ منها وما بَعْدَهُ بأكثَر من سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ أوِ العَيّ، (فَيُعِيدُ) قِراءَةُ الفاتِحَةِ، (بِتَخَلُّلِ ذِكْرٍ أَجْنَبِيّ) لا يَتَعَلَّقُ بالصَّلاةِ فيها، وإن قَلَّ، كَبَعْضِ آيَةٍ من غَيْرِها، وكَحَمْدِ عاطِسٍ وإن سُنَّ فيها كخارِجِها لإِشعارِهِ بالإِعراضِ. (لا) يعيدُ الفاتِحَةَ (ب) تَخَلُّل ما له تَعَلُّقٌ بالصَّلاةِ، ك (تأمِينٍ وسُجودٍ) لتلاوَةِ إمامِهِ معه، (ودُعاءٍ) من سُؤالِ رَحْمَةٍ، واستعاذَةٍ من عَذابٍ، وقولُ: بَلَى وأنا على ذلِكَ من الشَّاهِدينَ (لِقِراءَةِ إمامِهِ) الفاتِحَةَ أو آيَةَ السَّجدَةِ، أو الآيةَ التي يُسَنّ فيها ما ذُكِرَ لِكُلَ مِن القارِىءِ والسَّامِع، مَأموماً أو غيرَه، في صَلاةٍ وخارِجِها. فلو قَرأَ المُصَلِّي آيةً أو سَمِعَ آيةً فيها اسمُ مُحَمَّدٍ لم تُنْدَب الصَّلاةُ عليه، كما أفتى به النووي. (و) لا (بِفَتْحِ علَيْهِ) أي الإمامِ إذا تَوَقَّفَ فيها بقَصْدِ القِراءَةِ، ولو مَعَ الفَتْحِ، ومحلّهُ كما قال شيخنا إن سَكَتَ، وإلا قَطَعَ المُوالاةَ. وتقديمُ نحو سبحانَ الله قبلَ الفَتْحِ يَقْطَعُها على الأَوْجَهِ، لأنه حينئذٍ بمَعْنَى تَنَبَّه. (و) يعيدُ الفاتِحَة بِتَخَلُّلِ (سكُوتٍ طال) فيها بحيثُ زاد على سَكتَةِ الاستِراحَةِ (بِلا عُذْرٍ فيهما)، من جَهْلٍ وسَهْوٍ. فلو كان تَخَلُّلُ الذِّكْر الأجْنَبِيّ، أو السُّكوتُ الطَّويلُ، سَهواً أو جَهْلاً، أو كانَ السُّكوتُ لِتَذَكُّر آيةٍ، لم يَضُرّ، كما لو كَرَّرَ آيةً منها في مَحَلِّها ولو لِغَيْرِ عُذْرٍ، أو عادَ إلى ما قَرَأَهُ قَبْلٌ واستَمَرَّ، على الأَوْجَهِ.
[فرع]: لو شَكَّ في أثناءِ الفاتِحَةِ هَلْ بَسْمَلَ، فأَتَمَّها ثم ذَكَرَ أنه بَسْمَلَ أعادَ كُلَّها على الأَوْجَهِ. (ولا أَثَرَ لِشَكَ في تَرْكِ حَرْفٍ) فأكْثَر من الفاتِحَةِ، أو آيةٍ فأكثر منها. (بعد تمامِها) أي الفاتِحَةِ، لأن الظاهِرَ حينئذٍ مضِيُّها تامَّةً. (واستَأْنَفَ) وجوباً إن شَكَّ فيه (قَبْلَهُ) أي التَّمام. كما لو شَكّ هل قَرأها أو لا؟ لأن الأصلَ عدَمَ قراءَتِها. وكالفاتِحَةِ في ذلك سائِرِ الأرْكانِ. فلو شك في أصلٍ السُّجودِ مثلاً أتى به، أو بعدَهُ في نحو وَضْعِ اليَدِ، لم يلزَمْهُ شيء. ولو قَرَأها غافِلاً فَفَطِنَ عِنْدَ {صِراطَ الَّذِينَ} ولَمْ يَتَيَقَّنْ قراءَتَها لَزِمَهُ استِئْنافُها. ويَجِبُ التَّرتيبُ في الفَاتِحَةِ بأن يأتي بها على نَظْمِها المَعْروفِ لا في التَّشَهُّدِ ما لم يُخِلّ بالمَعْنَى. لكن يُشْتَرَطُ فيه رِعايةُ تشديداتٍ وموالاةٌ كالفاتِحَةِ. ومَنْ جهلَ جميعَ الفاتِحَةِ ولم يُمْكِنْهُ تَعَلّمها قبلَ ضِيقِ الوَقْتِ، ولا قراءَتها في نحوِ مُصْحَفٍ، لَزِمَهُ قراءَةُ سَبْعُ آياتٍ ولو متفرقةٍ لا ينقض حُروفُها عن حُروفِ الفاتِحَةِ، وهي بالبَسْمَلَةِ بالتَّشديداتِ مائةٌ وسِتَّةٌ وخمسون حَرْفاً بإثباتِ أَلِفِ مالِكِ ولو قدرَ على بَعْضِ الفاتِحَةِ كَرَّرَهُ لِيَبْلُغَ قَدْرَها، وإن لم يَقْدِرْ على بَدَلٍ فَسَبْعَةُ أنواعٍ من ذِكْرٍ كذلك، فَوُقوفٌ بَقَدْرِها.
(وسُنّ) وقيل: يجبُ (بعد تَحَرُّم) بِفَرْضٍ أو نَفْلٍ، ما عدا صلاة جَنَازَةٍ. (افتِتاحٌ) أي دُعاؤهُ سِرّاً إن أَمِنَ فَوْتَ الوَقْتِ وغَلَبَ على ظَنِّ المَأمومِ إدْراكُ رُكوعِ الإمامِ، (ما لم يُشْرِعْ) في تَعَوُّذٍ أو قراءَةٍ ولو سَهْواً. (أو يَجْلِس مَأمومٌ) مع إمامه، وإن أَمَّنَ مع تأْمِينِهِ. (وإن خافَ) أي المأمومُ، (فَوْتَ سُورَةٍ) حيث تُسَنّ له. كما ذكر شيخنا في شرح العُباب وقال: لأن إدراكَ الافْتِتاحِ مُحَقَّقٌ، وفَواتُ السُّورَةِ مَوْهُومٌ، وقد لا يَقع. وَوَرد فيه أدْعِيَةٌ كثيرةٌ. وأفضَلُها ما رواه مسلم، وهي: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ أي ذاتي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمواتِ والأَرْضَ حَنيفاً أي مائِلاً عن الأدْيانِ إلى الدِّينِ الحَقّ مُسْلِماً، وما أنا مِنَ المُشْرِكين. إِنَّ صلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لله رَبِّ العالَمِينَ، لا شَرِيكَ له، وبذلِكَ أُمِرْتُ، وأَنا مِنَ المُسْلِمِينَ. وَيُسَنُّ لِمَأمُومٍ يَسْمَعُ قِراءَةَ إمامِهِ الإِسراعُ به، ويزيدُ نَدْباً المُنْفَرِدُ، وإمامُ مَحْصُورينَ غيرَ أرِقّاءَ ولا نِساءٌ مُتَزوّجات رَضُوا بالتَّطويلِ لَفْظاً وَلَمْ يَطْرَأ غَيْرُهم، وإن قَلَّ حَضُورُهُ. ولم يَكُن المَسجِدُ مَطْرُوقاً.
ومنه ما رواهُ الشيخان: اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ كما بَاعَدْتَ بين المَشْرِقِ والمَغْرِب. اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطايَايَ كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْني مِن خطايايَ كما يُغْسَلُ الثَّوْبُ بالماءِ والثَّلْجِ والبَرَدِ. () بعْدَ افتِتاحٍ وتكبيرِ صلاةِ عيدٍ إنْ أَتَى بهما يُسَنّ (تَعَوُّذٌ) ولو في صلاة الجَنازَةِ، سِرّاً ولو في الجَهْرِيَّةِ. وإن جَلَسَ مع إمامِهِ (كلَّ رَكْعَةٍ) ما لَمْ يُشْرِعْ في قراءَةٍ ولو سَهْواً. وهو في الأولى آكَدُ، ويُكْرَهُ تَرْكُهُ.
(و) يُسَنّ (وقفٌ على رَأسِ كل آيةٍ) حتى على آخِرِ البَسْمَلةِ، خلافاً لِجَمْعٍ (منها) أي مِنَ الفاتِحَةِ، وإن تَعَلَّقَتْ بما بَعْدَها، للاتِّباعِ. والأَوْلى أن لا يقِفَ على {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لأنَّه ليسَ بِوَقْفٍ ولا مُنْتَهى آيَةٍ عِنْدَنا، فإن وَقَفَ على هذا لم تُسَنّ الإِعادَةُ من أَوَّلِ الآيةِ. (و) يُسَنّ (تأمِينٌ) أي قوله: آمين. بالتَّخْفِيفِ والمَدِّ. وحَسُنَ زيادَةُ: رَبّ العالَمِينَ، (عَقِبَها) أي الفاتحة ولو خارج الصلاة بعد سَكْتَةٍ لطيفَةِ، ما لم يَتَلَفَّظْ بِشيءٍ سِوَى رَبِّ اغْفِرْ لي. ويُسَنُّ الجَهْرُ بِهِ في الجَهْرِيَّةِ، حتى لِلْمَأمومِ لِقِرَاءَةِ إمامٍ تبعاً له. (و) سُنَّ لِمأمومِ في الجَهْرِيَّةِ تَأْمينٌ (مع) تَأمِينِ (إمامِهِ إن سَمِعَ) قِراءَتَهُ، لِخَبَرِ الشيخين: "إذا أمَّنَ الإمامُ أي أرادَ التَّأمين فَأَمِّنُوا. فإنّه مَنْ وافَقَ تَأمِينُهُ تَأمِين الملائِكَةِ غُفِرَ لهُ ما تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". وليسَ لنا ما يُسَنّ فيه تَحَرّي مُقارَنَة الإمامِ إلاّ هذا. وإذا لم يَتَّفِقْ له موافَقَته أمَّنَ عَقِبَ تأمِينِهِ. وإن أخَّرَ إمامُهُ عن الزَّمَنِ المَسنونِ فيه التَّأمِينُ أَمَّنَ المأمُومُ جَهْراً. وآمين اسمُ فِعْلٍ بمعنى استَجِبْ، مَبْنِي على الفَتْحِ، ويُسَكَّنُ عندَ الوَقْفِ.
[فرع]: يُسَنُّ للإِمامِ أن يَسْكُتَ في الجَهْرِيَّة بقَدْرِ قراءَةِ المأمومِ الفَاتِحَةَ إن عَلِمَ أنه يَقْرَؤها في سَكْتَةٍ كما هو ظاهِرٌ، وأن يَشْتَغِلَ في هذِهِ السَّكْتَةِ بِدُعاءٍ أو قراءَةٍ، وهِيَ أَوْلَى. قال شيخُنا: وحينئذٍ فَيَظْهَرُ أنه يُراعِي التَّرْتِيبَ والمُوالاةَ بينها وبين ما يَقْرَؤها وبَعْدَها..
[فائدة]: يُسَنُّ سَكَتَةٌ لَطِيفَةٌ بِقَدْرِ سُبْحانَ اللَّهِ، بين آمين والسُّورَة، وبينَ آخِرِها وتكبيرَةِ الرُّكوع، وبين التَّحَرُّمِ ودُعاءِ الافتِتاحِ وبَيْنَه وبينَ التَّعَوُّذِ وبينَهُ وبينَ البَسْمَلَةِ. (و) سُنَّ آيَةٌ فأكْثَر، والأَوْلَى ثلاثٌ (بَعْدَها) أي بَعْدَ الفاتِحَةِ. ويُسَنُّ لِمَنْ قَرَأها من أثناءِ سُورَةِ البَسْمَلَةِ. نَصَّ عليه الشافِعِيّ. ويَحْصَلُ أصْلُ السُّنَّةِ بتكريرِ سُورَةٍ واحِدَةٍ في الرَّكْعَتَين، وبإعادَةِ الفاتِحَةِ إن لم يَحْفَظْ غَيْرَها، وبقراءَةِ البَسْمَلَةِ لا بِقَصْدِ أنَّها التي هِيَ أوَّل الفَاتِحَةِ، وسُوَرةٍ كامِلَةٍ حيث لم يَرِدْ البَعْضُ، كما في التَّراوِيحِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ طَوِيلةٍ وإن طالَ. ويُكْرَهُ تَرْكُها رِعايَةً لِمَنْ أَوْجَبَها. وخَرَجَ بِبَعْدِها ما لَوْ قدَّمَها عَلَيها فلا تُحْسَب، بل يُكْرَهُ ذلك. وينبغي أن لا يَقْرَأ غيرَ الفاتِحَةِ مَنْ يَلْحَن فيه لَحْناً يُغَيِّرُ المَعْنَى. وإن عَجَزَ عن التَّعَلُّم، لأنه يَتَكلَّم بما لَيْسَ بِقُرآنٍ بلا ضَرُورَة. وتَرْكُ السُّورَةِ جائِزٌ. ومُقْتَضَى كَلامُ الإِمامِ: الحُرْمَة.
(و) تُسَنّ (في) الرَّكْعَتَيْنِ (الأَوليَيْنِ) مِن رُباعيَّةٍ أو ثُلاثِيَّةٍ ولا تُسَنُّ في الأخِيرتَيْن إلاَّ لِمَسْبُوقٍ بأن لم يُدْرِكُ الأُولَيَيْنِ مع إمامِه فيَقُرَؤُها في باقي صَلاتِهِ إذا تَدَارَكَهُ ولم يَكُنْ قَرَأها فِيما أَدْرَكه، ما لم تَسْقُطْ عنه لِكَوْنِهِ مَسْبُوقاً فيما أَدْرَكَه، لأن الإِمامَ إذا تَحَمَّلَ عنهُ الفاتِحَةَ فالسُّورَةَ أَوْلَى. ويُسَنّ أن يُطَوِّلَ قراءَةَ الأولى على الثانيةِ، ما لم يَرِدْ نَصٌّ بتطويلِ الثّانِيَةِ. وأن يَقْرَأ على تَرتِيبِ المُصْحَفِ، وعلى التَّوالي، ما لم تَكُن التي تَلِيها أَطْوَلُ ولو تَعارَضَ التَّرتِيبُ، وتَطويلُ الأولى كأَنْ قَرَأَ الإِخلاصَ، فهل يَقْرَأُ الفَلَقَ نَظَراً لِلتَّرْتِيبِ؟ أو الكَوْثَرِ نَظراً لِتَطويلِ الأولى؟ كلٌّ مُحْتَمَلٌ، والأقْرَبُ الأوَّل. قاله شيخنا في شرح المنهاج. وإنما تُسَنُّ قِراءَةُ الآيَةِ (ل) لإِمامِ ومُنْفردٍ و (غيرِ مأمومَ سَمِعَ) قراءَةَ إمامِهِ في الجَهْرِيَّةِ فتُكْرَه له. وقيل: تَحْرُم. أما مأموم لم يَسْمَعْها، أو سَمِعَ صَوتاً لا يُمَيِّز حُروفَهُ، فَيَقْرَأْ سِرّاً. لكن يُسَنّ له كما في أولَييِ السِّرِّيَّةِ تأخيرُ فاتِحَتِهِ عن فاتِحَةِ إمامِهِ إن ظَنَّ إدْرَاكَها قبلَ رُكوعِهِ، وحينئذٍ يشتَغِل بالدُّعاءِ لا القِراءَةِ. وقال المُتَوَلّي، وأقرَّهُ ابنُ الرِّفْعَةِ: يُكْرَهُ الشُّروعُ فيها قبله ولو في السرقة، للخلافِ في الاعتِدادِ بها حينئذٍ، ولِجَرَيانِ قَوْلٍ بالبُطْلانِ إن فَرَغَ مِنها قَبْلَه.
[فرع]: يُسَنُّ لِمأمومٍ فَرَغَ من الفَاتِحَةِ في الثّالِثَةِ أو الرّابِعَةِ، أو مِنَ التَّشَهُّدِ الأوَّلِ قَبْلَ الإِمامِ، أن يَشْتَغِلَ بِدُعاءٍ فيهما، أو قِراءَةٍ في الأُولى وهي أَوْلَى. (و) يُسَنُّ للحاضِرِ (في) صَلاتِه (جُمُعَةٍ وعِشائِها) سُورَة (الجُمُعَةِ والمُنافِقون أو سَبِّحْ وهَلْ أَتَاكَ و) في (صُبْحِها) أي الجمعة إذا اتَّسَعَ الوَقْتُ (آلم تَنْزِيل) السَّجْدَةِ (وَهَلْ أَتَى. و) في مَغْرِبِها (الكافِرونَ وَالإِخْلاص). ويُسَنُّ قراءَتُهُما في صُبْحِ الجمعة وغيرها للمُسافِرِ، وفي رَكْعَتَيْ الفَجْرِ والمَغْرِبِ والطَّوافِ والتَّحِيَّةِ والاستِخارَةِ والإِحْرامِ، للاتِّباعِ في الكُلِّ.
[فرع]: لو تَرَكَ إِحْدَى المُعَيَّنَتَيْنِ في الأُولى أتى بهما في الثانية، أو قَرَأَ في الأُولى ما في الثانية قَرَأَ فيها ما في الأُولى. ولو شَرَعَ في غيرِ السُّورَةِ المُعَيَّنة، ولو سَهْواً، قَطَعَها وقرأ المُعَيَّنَة نَدْباً. وعندَ ضِيقِ وَقْتٍ: سورتان قصيرتان أفضلُ من بَعْضِ الطويلتين المُعَيَّنَتَين، خلافاً للفارقي. ولو لم يَحْفَظ إلا إحدَى المُعَيَّنتين قرأها ويُبْدِل الاخرَى بِسُورَةٍ حَفِظَها وإن فاتَهُ الوَلاءُ. ولو اقْتَدَى في ثانيةِ صُبْحِ الجُمُعةِ مثلاً، وسَمِعَ قراءَةَ الإمامِ {هَلْ أَتَى} فيقْرَأ في ثانِيَتِهِ إذا قامَ بعدَ سلامِ الإمامِ الم تنزيل. كما أفتى به الكمالُ الرّدادُ وتَبِعَهُ شيخنا في فتاويه. لكن قضية كلامِهِ في شرحِ المِنْهاجِ أنه يَقْرَأ في ثانيته إذا قامَ هَلْ أتَى، وإذا قَرَأَ الإِمامُ غيرَها قرأهُما المأمومُ في ثانيته. وإن أدرَكَ الإِمامَ في رُكوعِ الثانيةِ فكما لو لم يَقْرَأْ شيئاً فيقْرَأُ السَّجْدَةَ وهل أَتَى في ثانيته. كما أفتى به شيخنا.
[تنبيه]: يُسَنُّ الجَهْرُ بالقِراءَةِ لغيرِ مَأمومِ في صُبْحِ وأُولَييْ العِشَاءَيْنِ وجُمُعَةٍ وفيما يَقْضِي بين غُروبِ الشَّمْسِ وطُلوعِها، وفي العِيدَيْن قال شيخنا: ولو قَضَاءً والتراويح ووترِ رمَضانِ وخُسوفِ القَمَرِ. ويُكْرَهُ للمأمومِ الجَهْرُ، لِلنَّهْي عنه. ولا يَجْهَرُ مُصَلَ وغيره إن شَوَّشَ على نحو نائِمٍ أو مُصَلَ، فَيُكْرَه. كما في المجموع. وبَحَثَ بَعْضُهُمُ المَنْعَ مِنَ الجَهُرِ بِقُرآنٍ أو غيرِهِ بحضْرَةِ المُصَلِّي مُطُلَقاً، لأن المسجدَ وَقْفٌ على المُصَلِّين أي أصالَةً دون الوُعَّاظِ والقُراءِ، ويَتوسَّطُ بينَ الجَهْرِ والإِسْرارِ في النَّوافِلِ المُطْلَقَةِ لَيْلاً (و) سُنَّ لِمُنْفَرِدٍ وإمامٍ ومَأمومٍ (تكبيرٌ في كُلِّ خَفْضٍ ورفْعٍ) للاتِّباع، (لا) في رَفْعٍ (من رُكوعٍ)، بل يَرْفَعْ منه قائلاً: سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، (و) سُنَّ (مَدّه) أي التَّكبير إلى أن يَصِلَ إلى المُنْتَقلِ إليه، وإن فَصَل بِجَلْسَةِ الاستِراحَةِ. (و) سُنَّ (جَهْرٌ بهِ) أي بالتكبير للانتقالِ كالتَّحَرُّمِ (لإِمامٍ) وكذا مُبَلّغٍ احتيجَ إليهِ، لكن إن نَوَى الذِّكْرَ أو والإِسماعَ، وإلا بَطلت صلاتُهُ. كما قال شيخنا في شَرْحِ المِنْهاجِ. قال بعضُهُم: إن التَّبلِيغَ بِدْعَةٌ مُنْكَرةٌ، باتّفاقِ الأئِمّةِ الأرْبَعة، حيث بَلَغَ المأمومين صَوْتُ الإِمامِ. (وكُرِهَ) أي الجَهْرُ به. (لِغيرِه) من مُنْفَرِدٍ ومَأمومٍ.
رُكوعٌ
(و) خامِسُها: (رُكوعٌ بانحناءٍ بحيثُ تنال راحتاه) وهما ما عدا الأصابِع من الكَفَّينِ، فلا يكفي وصولُ الأصابعِ (رُكْبَتَيْهِ) لو أرادَ وَضْعهما عليهما عند اعتدالِ الخُلْقَةِ. هذا أقلّ الرّكوع. (وسُنّ) في الرُّكوعِ (تَسْوِيَةُ ظَهْرٍ وعُنُقٍ) بأن يَمُدَّهُما حتى يصيرا كالصَّفِيحَةِ الواحِدَةِ، للاتِّباع. (وأخْذُ رُكْبَتَيْهِ) مع نَصْبِهِما وتَفْرِيقِهِما (بِكَفَّيه) مع كَشْفِهما وتفرِقَةُ أصابِعَهما تفريقاً وسَطاً (وقول سبحانَ ربِّي العظيمِ وبِحمدِهِ، ثلاثاً) للاتباع. وأقلُّ التَّسبيحِ فيه وفي السُّجودِ مرَّة، ولو بِنحْوِ سُبحانَ الله، وأكثرَهُ إحدى عشرة. ويزيدُ من مرّ نَدْباً: اللهمّ لكَ رَكَعْتُ، وبِكَ آمَنتُ، ولكَ أسلمتُ. خَشَعَ لكَ سَمْعِي وبَصَرِي ومُخِّي وعَظْمي وعَصَبي وشَعْري وبَشَري، وما استَقَلَّتْ بهِ قدَمي أي جميعُ جَسَدي لله رَبِّ العالمين. ويُسَنُّ فيه وفي السُّجودِ: سبحانَكَ اللهمَّ وبِحَمْدِكَ، اللهمَّ اغْفِرْ لي. ولو اقتصَرَ على التّسبيحِ أو الذِّكْرِ فالتسبيحُ أفضَلُ، وثلاث تسبيحاتٍ مع اللهمَّ لكَ رَكعْتُ إلى آخِرِهِ أفضلُ من زيادَةِ التسبيحِ إلى إحدى عشرة. ويكرَهُ الاقتصارُ على أقلِّ الرُّكُوعِ والمبالَغَةُ في خَفْضِ الرَّأسِ عن الظَّهرِ فيه. ويُسَنُّ لِذَكَرٍ أن يُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ عن جَنْبَيْه، وبَطْنه عن فَخِذَيْه، في الرُّكُوعِ والسُّجودِ. ولغيرِهِ أن يَضُمّ فيهما بَعْضَهُ لِبَعْضٍ.
[تنبيه]: يَجِبُ أن لا يَقْصُدَ بالهوِيِّ للرُّكوعِ غيرَه، فلو هَوِيّ لِسُجودِ تِلاوَةٍ فلما بَلغَ حَدّ الرُّكوعِ جَعَلَهُ رُكوعاً لم يَكْفِ، بل يَلْزَمْهُ أن يَنْتَصِبَ ثم يَرْكَع، كَنَظِيرِهِ من الاعتِدالِ والسُّجودِ والجُلوسِ بين السَّجْدَتَيْن. ولو شَكّ غيرُ مأمُومٍ وهو ساجِدٌ هل رَكَعَ؟ لَزِمَهُ الانتِصابُ فَوراً ثم الرُّكُوع، ولا يجوزُ له القيامُ راكِعاً.
اعتِدالٌ
(و) سادسُها (اعتِدالٌ) ولو في نَفْلٍ، على المُعْتَمَدِ. ويتحَقَّق (بِعَوْدٍ) بعد الركوعِ (لِبِدْءٍ) بأن يعودَ لما كان عليه قبل رُكوعِهِ، قائِماً كان أو قاعِداً. ولو شكَّ في إتمامِهِ عادَ إليه غيرُ المأمومِ فوراً وُجُوباً وإلاَّ بطلت صلاتُه. والمأمومُ يأتي بِرَكْعَةٍ بعد سلامِ إمامِهِ. (ويُسَنُّ أن يقولَ في رَفْعِهِ) من الرّكوعِ (سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ) أي تَقَبَّلَ منه حَمْدَهُ، والجَهْرُ بهِ لإِمامٍ ومُبلّغٍ لأنه ذِكْرُ انتِقالٍ. (و) أن يقولُ (بعد انتصابٍ) للاعتِدالِ: (رَبَّنا لكَ الحَمْدُ مِلء السَّمواتِ ومِلء الأرضِ وملء ما شِئتَ من شيءٍ بعدُ) أي بعدهما، كالكُرسِيّ والعَرْشِ. ومِلءُ بالرَّفع صفة، وبالنصب حال. أي مالِئاً بتقديرِ كَوْنِهِ جِسماً، وأن يزيدَ من مَرَّ: أهلُ الثناءِ والمَجْدِ أحَقّ ما قالَ العَبْدُ، وكُلّنا لكَ عَبْدٌ، لا مانِعَ لما أعْطَيْتَ ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ.
(و) سُنَّ (قُنُوتٌ بِصُبْحٍ) أي في اعتدالِ رَكْعَتِهِ الثانية، بعد الذِّكْرِ الرَّاتِبِ على الأَوْجَه، وهو إلى من شيء بعد (و) اعتدالٍ آخره (وترُ نِصْفٍ أخير من رمضان) للاتّباع، ويُكْرَهُ في النِّصْفِ الأوَّل، كبقيّةِ السَّنة. (وبسائِرِ مَكْتوبَةٍ) من الخمسِ في اعتدالِ الرَّكعَةِ الأخيرة، ولو مسبوقاً قَنَتَ مع إمامِهِ (لِنازِلَةٍ) نَزَلَتْ بالمُسلمين. ولو واحداً تَعدَّى نَفْعُه كأسْرِ العالِمِ أو الشُّجاعِ وذلك للاتباع، وسواءٌ فيها الخوفُ ولو مِنْ عَدُوَ مُسِلمٍ، والقَحْطِ والوَباءِ. وخرج بالمكتوبَةِ النَّفْلُ ولو عيداً والمَنْذُورَةُ، فلا يُسَنُّ فيهما. (رافعاً يديْهِ) حَذْوَ منكبَيْه ولو حال الثَّناءِ، كسائِرِ الأدْعِيَةِ، للاتّباع، وحيث دعا لِتَحصيلِ شيءٍ، كدَفْعِ بلاءٍ عنه في بَقِيّة عُمرِهِ، جَعْلُ بَطْنِ كَفَّيهِ إلى السَّماء. أو لِرَفْعِ بلاءٍ وَقَعَ به جَعْلُ ظَهْرَهما إليها. ويُكْرَهُ الرَّفْعُ لِخَطيبٍ حالَةَ الدُّعاءِ، (بنحو: اللهمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت، إلى آخرِهِ) أي وعَافِني فيمَن عافَيْت، وتَولَّني فيمن تَولَّيْت، أي مَعَهُم لأنْدَرِجَ في سِلْكِهِم. وبارِكْ لي فيما أعْطَيْتَ، وقِني شَرَّ ما قَضَيْتَ فإنكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عليك، وإنَّه لا يَذِلُّ مَنْ والَيْتَ ولا يَعِزّ مَنْ عادَيْتَ. تباركْتَ ربَّنا وتعالَيْتَ، فلَكَ الحَمْدُ على ما قَضَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتوبُ إليكَ. وتُسَنُّ آخره الصلاةُ والسلامُ على النبي وعلى آله، ولا تُسَنّ أوّله. ويزيدُ فيه من مَرّ قنوتَ عُمَر الَّذِي كان يَقْنُتُ به في الصُّبْح، وهو: اللَّهمَّ إنا نستَعِينُكَ ونستَغْفِرُكَ ونستَهدِيكَ، ونؤمِنُ بِكَ ونتوكَّلُ عليك، ونُثْني عليكَ الخَيْرَ كُلَّه، نشكُرُكَ ولا نَكْفُرُكَ، ونخلع ونترُك من يَفْجُرُكَ. اللهمَّ إياك نَعبُدُ، ولك نُصَلّي ونسجُد، وإليك نسْعَى ونَحْفِد أي نُسْرِع نرجو رحمتَكَ ونَخْشَى عذابَكَ إن عذابَكَ الجدّ بالكُفّارِ مُلْحِق. ولما كان قنوتُ الصُّبْحِ المذكور أولاً ثابتاً عن النبي قُدِّمَ على هذا، فمِنْ ثَمَّ لو أرادَ أحَدَهُما فقط اقَتصَر على الأوّل، ولا يتعيّنُ كلماتُ القُنوتِ، فيجزىءُ عنها آيةً تضمَّنَتْ دعاءُ إن قَصَدَه كآخِرِ البَقَرةِ وكذا دُعاءٌ محضُ ولو غيرَ مأثورٍ. قال شيخنا: والذي يتَّجِه أن القانِتَ لِنازِلَةٍ يأتِي بِقُنوتِ الصُّبحِ ثم يَخْتِمُ بسؤال رَفْعِ تلك النازِلَة. (وجَهْر به) أي القنوت، نَدْباً، (إمامٌ) ولو في السِّرِّية، لا مأمومٌ لم يَسْمَعْهُ ومُنْفَرِدٌ فيُسِرّان به مُطْلقاً، (وأمَّنَ) جَهْراً (مأمومٌ) سَمِعَ قنوتَ إمامِهِ للدعاءِ منه. ومن الدُّعاءِ: الصلاةُ على النبي فيُؤمِّن لها على الأوْجَه. أما الثناءُ وهو: فإنَّكَ تَقْضِي إلى آخرِهِ فيقوله سِرّاً. أما مأمومٌ لم يَسْمَعْهُ أو سَمِعَ صَوْتاً لا يَفْهَمْهُ فيَقْنُت سِرّاً.
(وكُرِهَ لإِمامٍ تخصيصُ نَفْسِهِ بِدُعاء) أي بِدُعاءِ القُنوتِ، للنَّهْيِ عن تخصيصِ نفسِهِ بالدُّعاءِ. فيقولُ الإِمامُ: اهْدِنا، وما عُطِفَ عليه بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَضِيَّتُهُ أن سائِرَ الأدْعِيَة كذلك، ويتعَيّن حَمْلُه على ما لم يَرِدْ عنه وهو إمامٌ بلفظِ الإِفْرادِ وهو كثيٌر. قال بعضُ الحُفّاظِ: إن أدْعِيَتَه كُلّها بلفظِ الإِفرادِ، ومن ثَمّ جَرَى بعضُهُم على اختِصاصِ الجَمْعِ بالقُنوتِ.
سجودٌ مَرَّتين
(و) سابِعُها: (سجودٌ مَرَّتين) كل ركعَةٍ، (على غير مَحْمولٍ) له، (وإن تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ) ولو نحو سريرٍ يتحرَّك بِحَركَتِه لأنه ليسَ بِمَحْمُولٍ له فلا يَضُرّ السُّجودُ عليه، كما إذا سَجَدَ على محمولٍ لم يَتَحَرَّك بحركَتِه كطرفٍ من رِدائِهِ الطّويلِ. وخرجَ بقولي: على غيرِ محمولٍ له، ما لو سجَدَ على مَحمولٍ يتحرَّك بحركته، كطَرَفٍ من عَمَامَتِهِ، فلا يصح، فإن سجَدَ عليه بطلت الصَّلاةُ إن تعمَّدَ وعَلمَ تحريمَهُ، وإلا أعادَ السُّجودَ. ويصحّ على يدِ غيرِهِ، وعلى نحو منديلٍ بيدِه لأنه في حُكْمِ المُنْفَصِلِ، ولو سَجَدَ على شيء فالتَصَقَ بجبهَتِهِ صَحّ، ووجَبَ إزالَتُه للسجودِ الثاني. (مع تنكيسٍ) بأن ترتَفِعَ عَجيزَتُه وما حولُها على رأسِهِ ومنكَبَيْه، للاتباع. فلو انعَكَسَ أو تساويا لم يُجْزِئْه. نعم، إن كان به عِلّةٌ لا يمكِنُهُ مَعَها السُّجودُ إلاَّ كذلِكَ أجزَأَه، (بوضْعِ بعضِ جبهتِهِ بكشفٍ) أي مع كشفٍ. فإن كان عليها حائِلٌ كعُصابَةٍ لم يَصْحّ، إلاَّ أن يكون لِجَراحَةٍ وشَقّ عليه إزالَتُه مَشقَّةً شديدةً، فيَصُحّ. (و) مع (تحامُلٍ) بجبهَتِهِ فقط على مُصَلاّه، بأن ينال ثِقل رأسِهِ، خلافاً للإِمام. (و) وضعِ بعضِ (رُكْبَتَيْه و) بعضِ (بَطْنِ كَفَّيه) من الرَّاحَةِ وبُطونِ الأصابِعِ (و) بعضِ بَطْنِ (أصابِعِ قَدَمَيْهِ) دون ما عدا ذلك، كالحَرْفِ وأطرافِ الأصابِعِ وظهرِهِما. ولو قُطِعَتْ أصابُع قَدَمْيه وقَدَرَ على وَضْعِ شيءٍ من بطنِهِما لم يَجِبْ، كما اقتضاهُ كلامُ الشيخين. ولا يَجِبُ التَّحامُلُ عليها بل يُسَنّ، ككَشْفِ غيرِ الرُّكبتين. (وسُنَّ) في السُّجودِ (وضعُ أنفٍ) بل يتأكَّد لِخَبَرٍ صحيحٍ، ومن ثم اختيرَ وُجوبُه. ويُسَنُّ وضعُ الرُّكبتين أَوَّلاً مُتَفرِّقَتَيْنِ قَدْرَ شِبْرٍ، ثم كَفَّيْه حذوَ مِنْكَبَيْه، رافعاً ذراعَيْه عن الأرضِ وناشِراً أصابِعَهُ مضمومَةً لِلقبلِة، ثم جبهَتَهُ وأنفَهُ معاً، وتفريق قَدَمَيْهِ قدرَ شِبرٍ ونَصْبهما مُوَجِّهاً أصابِعَهُما للقِبْلَةِ، وإبرازهُما من ذَيْلِهِ.
ويُسَنُّ فتحُ عينيهِ حالَةَ السّجودِ كما قاله ابن عبد السلام، وأقرَّهُ الزركشي. ويُكْرَهُ مخالفَةُ الترتيبِ المذكورِ وعَدَمُ وضعِ الأنفِ، (وقولُ: سبحانَ ربّيَ الأعلى وبِحَمْدِه ثلاثاً) في السجودِ للاتّباع. ويزيد مَنْ مَرّ نَدباً: اللهمَّ لك سَجَدْتُ، وبِكَ آمنْتُ، ولكَ أسلَمْتُ. سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ وشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، تبارَكَ اللّهُ أحسَنُ الخَالِقِينَ.
ويُسَنّ إكثارُ الدُّعاءِ فيه. ومما وَرَدَ فيه: اللهُمَّ إني أعوذُ بِرِضاكَ مِنْ سَخَطِك، وبِمُعافاتِكَ مِنْ عُقوبَتِك. وأعوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثْنَيْتَ على نفسِكَ اللهمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبي كُلَّه دِقَّهُ وجِلَّه، وأوَّلَه وآخِرَه، وعلانِيَتِه وسِرَّه. قال في الروضة: تطويلُ السجودِ أفضلُ من تطويلِ الرّكوع.
جلوس بينهما
(و) ثامِنُها: (جلوسٌ بينَهُما) أي السَّجدتَيْن، ولو في نَفْلٍ على المُعَتَمَدِ. ويجبُ أن لا يَقْصُدَ برفْعِهِ غيرِه، فلو رَفَعَ فَزِعاً من نحو لَسْعِ عَقْرَبٍ أعادَ السُّجودَ. ولا يَضُرّ إدامَةُ وَضْع يديه على الأرضِ إلى السجدَةِ الثانيةِ اتّفاقاً، خلافاً لِمَن وَهَم فيه. (ولا يُطَوِّله، ولا اعتِدالاً) لأنهما غير مقصُودَين لذاتِهما بل شُرِعا لِلفَصْلِ، فكانا قَصِيرَيْن. فإن طَوَّلَ أحدَهُما فوقَ ذِكْرِهِ المَشْروع فيه قَدْرَ الفاتِحَةِ في الاعتِدالِ أقلَّ التشهّدُ في الجُلوسِ عامِداً عالِماً بَطَلتْ صلاتُه.
(وسُنَّ فيه) الجلوسُ بين السجدتين، (و) في (تشهُّدٍ أوَّل) وجَلْسَةِ استِراحَةٍ، وكذا في تشهُّدٍ أخيرٍ إن تَعَقَّبَه سجودُ سَهْوٍ. (افتراشٌ) بأن يَجْلُسَ على كَعْبِ يُسراهُ بحيثُ يلي ظَهْرُها الأرضَ، (واضِعاً كفَّيْه) على فَخذَيْه قريباً من رُكْبَتَيه بحيث تسامتُهُما رُؤوسُ الأصابعِ، ناشِراً أصابِعَه، (قائلاً: ربِّ اغْفِرْ لي، إلى آخره) تتمَّته: وارْحَمْني، واجْبُرْني، وارْفَعْني، وارْزُقْني، واهْدِني، وعافِني. للاتباع. ويكرَهُ: اغْفِرْ لي، ثلاثاً. (و) سُنَّ (جَلسَةُ استِراحَةٍ) بِقَدْرِ الجلوسِ بين السجدتين للاتباع، ولو في نَفْلِ، وإن تَرَكَها الإِمامُ خلافاً لشيخنا (لقيامٍ) أي لأجلِهِ، عن سجودٍ لغيرِ تلاوَةٍ. ويُسَنُّ اعتمادٌ على بَطْنِ كَفَّيْه في قيامٍ من سجودٍ وقعودٍ.
طُمَأنِينَة
(و) تاسِعُها: (طُمَأنِينَةٌ في كُلّ) من الرُّكوعِ والسُّجودَيْنِ، والجُلوسُ بينَهُما، والاعتِدالُ، ولو كانا في نَفْلٍ، خلافاً للأنوارِ. وضَابِطُها أن تستَقِرّ أعضاوهُ بحيثُ ينفصِلُ ما انتَقَلَ إليه عَمّا انتقَلَ عَنْه.
تَشَهُّدٌ أخيرٌ
(و) عاشِرُها: (تَشَهُّدٌ أخيرٌ، وأقَلَّه) ما رواه الشافعي والتّرِمذيّ: (التيحاتُ لله إلى آخره) تتمته: سلامٌ عليكَ أيّها النبيُّ ورحمةُ اللّهِ وبَرَكاتُه، سلامٌ علينا وعلى عِبادِ اللّهِ الصَّالِحين، أشهَدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ محَمّداً رسولُ الله. ويُسَنُّ لِكُلِّ زيادَةٍ: المُبارَكاتُ الصلوات الطَّيِّباتُ، وأشهِدُ الثَّانِي، وتعريفُ السَّلامِ في المَوْضِعَيْن، لا البَسْمَلَة قَبْلَه، ولا يَجوزُ إبدالُ لَفْظٍ من هذا الأقَلّ ولو بِمُرادفه، كالنبيِّ بالرّسولِ وعكسه، ومحمد بأحمد وغيره، ويكفي: وأن محمداً عبدُهُ ورسولُه، لا وأنّ محمداً رَسولُه. ويجبُ أن يراعي هنا التشديدات، وعدمَ إبدالِ حَرفٍ بآخَر، والمُوالاةَ لا التَّرتيبَ إن لم يُخِلّ بالمَعْنى. فلو أظْهَرَ النُّونَ المُدْغَمَة في اللامِ في أن لا إلهَ إلاَّ الله أبطَلَ لِتَرْكِهِ شَدَّةً منه، كما لو تَرَكَ إدغامَ دالِ مُحَمَّدٍ في راءِ رَسولِ الله. ويجوزُ في النبيّ الهمزَةُ والتَّشديدُ.
صلاةٌ على النبيّ
(و) حادي عشرها: (صلاةٌ على النبيّ) (بَعْدَهُ) أي بعدَ تشهُّدٍ أخيرٍ، فلا تُجزىء قَبْلَه. (وأقلّها: اللهمَّ صلِّ) أي ارحَمْهُ رَحْمَةً مَقْرونَةً بالتَّعْظيمِ، أو صلّى الله (على مُحَمَّدٍ)، أو على رسولِهِ، أو على النبيِّ، دون أحمد.
(وسُنّ في) تشهُّدٍ (أخيرٍ) وقيل: يَجِبُ. (صلاةٌ على آلِهِ) فيحصَل أقلُّ الصلاةِ على الآلِ بزيادَةِ وآلِهِ، مع أقَلِّ الصَّلاةِ لا في الأوَّل على الأصَحّ، لِبنائِهِ على التَّخفِيفِ، ولأن فيها نَقْلُ رُكْنٍ قَوْلِيّ على قَوْلٍ، وهو مُبْطِلٌ على قَوْلٍ. واختيرَ مقابِلُهُ لِصِحّةِ أحاديث فيه. (ويُسَنّ أكْمَلُها في تَشَهُّدٍ) أخير، وهو: اللهمَّ صلِّ على مُحمّدٍ وعلى آلِ مُحَمّدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمّدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، إنك حَميدٌ مَجيدٌ. والسَّلامُ تَقَدَّمَ في التَّشَهُّدِ فليسَ هنا إفرادُ الصلاةَ عنهُ، ولا بأسَ بِزيادَةِ سيِّدِنا قبلَ مُحَمَّدٍ. (و) سُنَّ في تَشَهُّدٍ أخيرٍ (دعاء) بعد ما ذُكِرَ كله.
وأما التشهدُ الأوَّلُ فيكرَهُ فيه الدُّعاءُ لبنائِهِ على التخفيفِ، إلاَّ إن فَرَغ قبلَ إمامِه فيدعو حينئذٍ. ومأثورُهُ أفضلُ، وآكَدُهُ ما أوجَبَهُ بعضُ العلماءِ، وهو: اللهمَّ إني أعوذُ بك مِنْ عذابِ القبرِ، ومن عذابِ النارِ، ومِن فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ، ومِنْ فِتْنَةِ المَسيح الدَّجّال. ويُكرهُ تَرْكُه. ومنه: اللهمَّ اغفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، وما أسْرَفتُ، وما أنتَ أعْلَمُ به مني. أنعت المُقَدِّمُ وأنت المُؤَخِّرُ، لا إلهَ إلاَّ أنتَ. رواهما مسلم. ومنه أيضاً: اللهمَّ إني ظَلَمْتُ نفسي ظُلْماً كبيراً كثيراً ولا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إلاَّ أنتَ، فاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً من عِنْدِك، إنَّكَ أنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ. رواه البخاري. ويُسَنُّ أن يَنْقُصَ دعاءُ الإِمامِ عن قدرِ أقلِ التشهُّدِ، والصلاةِ على النبي. قال شيخنا: تُكْرَهُ الصلاةُ على النبي بعد أدْعِيَةِ التَّشَهُّد.
قعودٌ لهما
(و) ثاني عشرها: (قعودٌ لهما) أي للتشهُّدِ والصَّلاةِ، وكذا للسلامِ. (وسُنَّ تَوَرُّكٌ فيه) أي في قُعودِ التَّشهُّدِ الأخيرِ، وهو ما يَعْقِبُهُ سلامٌ. فلا يَتَورَّكْ مسبوقٌ في تشهد إمامِهِ الأخير، ولا من يَسْجُد لِسَهْوٍ. وهو كالافتِراشِ، لكن يُخْرِج يُسْراهُ من جهَةِ يُمناهُ ويُلْصِق وركَهُ بالأرضِ. (ووضعُ يديهِ في) قعودِ (تَشَهُّدَيْه على طرَفِ رُكْبَتَيْهِ) بحيثُ تسامِتُهُ رؤوسُ الأصابِعِ، (ناشراً أصابِعَ يُسراهُ) مع ضَمَ لها، (وقابضاً) أصابِعَ (يُمناهُ إلاَّ المُسَبِّحَة) بكسر الباء، وهي التي تلي الإِبهام فيُرْسِلها. (و) سُنَّ (رَفْعُها) أي المُسَبِّحَة مع إمالَتِها قليلاً (عند) هَمْزَةِ (إلاَّ الله) للاتِّباعِ. (وإدامَتُه) أي الرفع. فلا يَضَعْها بل تبقى مرفوعَةً إلى القِيامِ أو السلامِ، والأفضَلُ قبضُ الإِبهامِ بِجَنْبِها، بأن يَضَعَ رأسَ الإِبهامِ عند أسْفَلِها على حَرْفِ الراحَةِ، كعاقِدِ ثلاثةٍ وخمسين. ولو وَضَعَ اليُمْنى على غيرِ الرُّكْبَةِ يُشيرُ بسبّابَتِها حينئذٍ، ولا يُسَنُّ رَفْعُها خارجَ الصَّلاةِ عند إلاَّ الله. (و) سُنَّ (نَظرٌ إليها) أي قَصْرُ النَّظَرِ إلى المُسَبِّحَةِ حال رَفْعِها، ولو مَستورةً بِنَحْوِ كُمَ، كما قال شيخنا.
تسليمةٌ أُولى
(و) ثالث عشرها: (تسليمةٌ أُولى)، (وأقلُّها: السلامُ عليكُمْ) للاتِّباع، ويكرَهُ عليكُمُ السَّلامُ، ولا يُجْزِىءُ سَلامٌ علَيْكُمْ بالتَّنْكيرِ ولا سَلامُ اللّهِ أو سَلامِي عليكُمْ. بل تَبطُلُ الصَّلاةُ إن تَعَمَّدَ وَعَلِمَ. كما في شرح الإِرشادِ لشيخنا. (وسُنَّ) تسلِيمَةٌ (ثانية) وإن تَرَكَها إمامُه، وتَحْرُمُ إن عَرَضَ بعد الأولى مُنافٍ، كَحَدثٍ وخروجِ وَقْتِ جُمُعَةٍ ووجودِ عارٍ سَتْرَةً. (و) يُسَنُّ أن يقرِنَ كلاًّ من التسليمتين (بِرَحْمَةِ الله) أي معها، دون: وَبَركاتِهِ، على المنقولِ في غير الجنازَةِ. لكن اختيرَ نَدْبُها لِثُبوتِها من عِدَّةِ طُرُقٍ. (و) مع (التفاتٍ فيهما) حتى يَرَى خَدَّهُ الأيمَنَ في الأولى والأيْسَرَ في الثانِيَة.
[تنبيه]: يُسَنُّ لكل من الإِمامِ والمَأمومِ والمُنْفرِدِ أن ينوِيَ السَّلامَ على من التَفَتَ هو إليهِ مِمَّنْ عن يمينِه بالتسليمَةِ الأولى، وعن يسارِهِ بالتسليمَة الثانية، من مَلائِكَةٍ ومؤمِني إنسٍ وجِنَ، وبأيَّتهِما شاءَ على من خَلْفَهُ وأمامَهُ وبالأولى أفضَلُ. وللمأمومِ أن ينوِيَ الرَّدَّ على الإِمامِ بأيّ سلامَيْهِ شاءَ إن كان خَلْفَه، وبالثانيةِ إن كان عن يمينِهِ، وبالأولى إن كان عن يسارِهِ. ويُسَنُّ أن ينوِيَ بعضُ المأمومين الرَّدَّ على بعضٍ، فينوِيهِ مَنْ على يمينِ المُسَلِّم بالتسليمَةِ الثانيةِ ومَنْ على يسارِهِ بالأولى، ومَن خلفَهُ وأمامَهُ بأيَّتِهما شاء، وبالأولى أَوْلى.
[فروع]: يُسَنُّ نيةُ الخُروجِ من الصلاةِ بالتسلِيمَةِ الأولى خُروجاً من الخِلافِ في وُجوبِها، وأن يُدْرِجَ السلامَ، وأن يبتدِئَةُ مستقبِلاً بوجْهِهِ القِبْلَة، وأن ينهِيَهُ مع تمامِ الالتفاتِ، وأن يسلِّمَ المأمومُ بعد تسليمَتَي الإِمام.
ترتيبٌ
(و) رابع عشرها: (ترتيبٌ بين أركانها) المُتَقدِّمَةَ كما ذُكِرَ. فإنْ تَعَمَّدَ الإخلالَ بالترتيبِ بتقديمِ رُكنٍ فِعْلِيّ، كأن سَجَدَ قبل الرُّكوعِ، بَطَلَتْ صَلاتُه. أما تقديمُ الرُّكنِ القولي فلا يضرّ إلا السلامِ. والترتيبُ بين السُّنَنِ كالسورَةِ بعد الفاتِحَةِ، والدُّعاءِ بعد التشهد والصلاةِ، شرط للاعتدادِ بسنِّيَّتِها، (ولو سَها غيرُ مأمومٍ) في الترتيبِ (بتركِ رُكْنٍ) كأن سَجَدَ قبل الرُّكوعِ، أو رَكَعَ قبل الفاتِحَة، لغا ما فعَلَهُ حتى يأتِيَ بالمَتْروكِ. فإن تَذكَّرَ قبلَ بلوغِ مثله أتى به، وإلاَّ فسَيَأتي بيانُهُ. (أو شَكَّ) هو أي غيرُ المأمومِ في رُكْنٍ هل فَعَلَ أم لا، كأن شَكَّ راكِعاً هل قَرَأَ الفَاتِحَةَ، أو ساجِداً هل رَكَعَ أو اعتَدَلَ، (أتى به) فَوْراً وُجوباً (إن كانَ) الشَّكُّ (قبل فِعْلِه مِثْلَه) أي مثلَ المَشْكُوكِ فيه من رَكْعَةٍ أُخرى (وإلا) أي وإن لم يتذكر حتى فعل مثله في ركعة أخرى (أجْزَأَهُ) عن مَتروكِهِ، ولغا ما بينهما. هذا كله إن عَلِمَ عَيْنَ المَتْرُوكِ ومَحَلَّه، فإن جَهَلَ عَيْنَهُ وجَوَّزَ أنه النِّيَّةَ أو تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ بطلت صلاتُهُ. ولم يُشتَرطْ هنا طُولُ فَصْلٍ ولا مضِيّ رُكْنٍ، أو أنه السلامُ يُسلِّم، وإن طال الفَصْلُ على الأَوْجَهِ. أو أنه غَيْرَهُما أخذَ بالأسوأ وبَنَى على ما فَعَلَه، (وتدارَكَ) الباقي مِن صلاتِهِ. نعم، إن لم يَكُن المِثْلُ من الصَّلاةِ كسُجودِ تِلاوَةٍ لم يُجْزِئْه. أما مأمومٌ عَلِمَ أو شَكَّ قبلَ رُكوعِهِ وبعدَ رُكوعِ إمامِهِ أنه تَرَكَ الفاتِحَةَ فيقرَؤها ويَسْعَى خَلْفَهُ، وبعد ركوعِهِما لم يَعُدْ إلى القِيامِ لِقِراءَتِهِ الفاتِحَة بل يَتْبَع إمامَه ويُصَلِّي رَكْعَةً بعد سلامِ الإِمامِ.
سنن الصلاة
[فرع]: (سُنَّ دُخولُ صلاةٍ بِنَشاطٍ) لأنه تعالى ذَمَّ تارِكيهِ بقوله: {وإِذا قَامِوا إلى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى} والكَسَلُ: الفُتورُ والتَّواني. (وفراغِ قَلْبٍ) من الشواغِلِ لأنه أقرَب إلى الخُشوعِ. (و) سُنَّ (فيها) أي في صَلاتِهِ كلها، (خُشوعٌ بقلْبِهِ) بأن لا يُحْضِرَ فيه غيرَ ما هو فيه وإن تَعَلَّقَ بالآخِرَةِ. (وبجوارِحِه) بأن لا يَعْبَثَ بأحَدِها، وذلك لِثَناءِ الله تعالى في كتابِهِ العزيز على فاعِلَيه بقولِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنونَ الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خَاشِعونَ} ولانْتِفاءِ ثَوابِ الصَّلاةِ بانْتِفائِهِ كما دَلَّتْ عليه الأحاديثُ الصَّحيحَةُ. ولأنَّ لنا وَجْهاً اختارَهُ جَمْعٌ أنَّهُ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ. ومما يُحْصِّل الخُشوع اسْتِحضارُهُ أنَّه بين يَدَيْ مَلَكِ المُلوكِ الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى. يُناجِيهِ، وأنك ربما تَجَلّى عليه بالقَهْرِ لِعَدَمِ القِيامِ بِحَقِّ رُبوبِيَّتِهِ فَرَدَّ عليهِ صَلاتَه.
وقال سِيدي القُطْبُ العارِفُ بالله محمد البكرِيّ رضي الله عنه: إن مما يُورِثُ الخُشوعَ إطالَةُ الرُّكوعِ والسُّجودِ (وَتَدبُّرُ قراءَةٍ) أي تَأَمُّل معانِيها. قال تعالى: {أَفَلا يَتَدبَّرُونَ القُرْآنَ} ولأن به يَكْمَلُ مَقْصود الخُشوعِ. (و) تَدَبُّر (ذِكْرٍ) قياساً على القراءَةِ، (و) سُنَّ (إدامَةُ نَظَرٍ مَحَلّ سُجودِهِ) لأن ذلك أقرَب إلى الخُشوعِ، ولو أعْمىً، وإن كانَ عِنْدَ الكَعْبَةِ أو في الظُّلْمَةِ، أو في صَلاةِ الجَنازَةِ. نعم، السُّنَّةُ أن يَقْصِرَ نَظَرَهُ على مُسَبِّحَتِهِ عندَ رَفْعِها في التشُّهدِ لِخَبَرٍ صحيحٍ فيه، ولا يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْه إن لم يَخَفْ ضَرراً.
[فائدة]: يُكْرَهُ لِلمُصَلِّي الذَّكَرَ وغيرَهُ تَرْكُ شيءٍ مِن سُنَنِ الصَّلاةِ. قال شيخنا: وفي عُمومِهِ نظر. والَّذي يَتَّجِهُ تَخْصِيصُهُ بما وَرَدَ فيه نَهْيٌ أو خِلافٌ في الوُجوبِ.
(و) سُنَّ (ذِكْرٌ ودُعاءٌ سِرَّاً عَقِبَها) أي الصَّلاةِ. أي يُسَنُّ الإِسرارُ بهما لِمُنْفَرِدٍ ومأمومٍ وإمامٍ لم يُرِدْ تَعْلِيمَ الحاضِرِينَ ولا تَأْمِينَهُمْ لِدُعائِهِ بِسَماعِهِ. وَوَرَد فيهما أحاديثٌ كثيرَةٌ ذَكَرْتُ جُمْلَةً منها في كتابي إرْشادُ العبادِ فاطلُبْه فإنه مُهِمٌّ. وَرَوى التّرمِذِيّ عن أبي أُمامَةَ قال: "قيل لِرَسولِ الله: أَيُّ الدُّعاءِ أسْمَع؟ أي أقْرَب إلى الإِجابَةِ؟ قال: جَوْفُ اللَّيْلِ، ودُبر الصَّلواتِ المَكْتوباتِ". وروى الشيخانِ عن أبي مُوسَى قال: "كُنَّا مع النَّبيِّ فَكُنا إذا أشْرَفْنا على وادٍ هَلَّلْنا وكَبَّرُنا وارتَفَعَتْ أصْواتُنا، فقالَ النَّبي: يأيُّها الناسُ ارْبَعوا على أنْفُسِكُمْ فإنَّكُم لا تَدْعونَ أَصَمَّ ولا غائِباً، إنه حَكِيمٌ سَميعٌ قريبٌ". احتَجَّ به البَيْهَقِيّ وغيرُهُ للإِسْرارِ بالذِّكْرِ والدُّعاءِ. وقال الشَّافعيّ في الأم: أختارُ للإِمامِ والمَأمومِ أن يَذْكُرَا الله تعالى بعدَ السلامِ مِنَ الصَّلاةِ، ويُخْفِيَا الذِّكْرَ، إلاَّ أن يكونَ إماماً يُريدُ أن يُتَعَلَّم منه فيجْهَر حَتّى يَرَى أنه قد تُعلِّمَ منه ثم يُسِرّ، فإن الله تعالى يقول: {ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها} يعني والله أعلم الدُّعاء، ولا تجهَرْ حَتَّى تُسْمِع غَيْرَكَ، ولا تُخافِتْ حَتَّى لا تُسْمِع نَفْسَكَ. انتهى.
[فائدة]: قال شيخنا: أما المُبالَغةُ في الجَهْرِ بِهِما في المَسْجِدِ بحَيْثُ يَحْصَلُ تَشويشٌ على مُصَلَ فينبغي حُرْمَتُها..
[فروع]: يُسَنُّ افتتاحُ الدُّعاءِ بالحَمْدِ للّهِ والصَّلاة على النبي، والخَتْمُ بهِما وبآمين. وتأمِينُ مَأمومٍ سَمِعَ دُعاءِ الإِمامِ، وإن حَفَظَ ذَلكَ. ورَفْعُ يَدَيْهِ الطّاهِرَتَيْنِ حَذْوَ مَنْكِبَيْه، ومَسْحُ الوَجْهِ بهما بعده. واستقبالُ القِبْلَةِ حالَةَ الذِّكْرِ أو الدُّعاءِ، إن كان مُنْفَرِداً أو مَأموماً. أما الإِمامُ إذا تَرَكَ القِيامَ مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذي هو أفضَلُ له فالأفضل جَعْلُ يمينِهِ إلى المَأمومِين ويسارِه إلى القِبْلَةِ. قال شيخنا: ولو في الدُّعاءِ. وانصرافُهُ لا ينافي نَدْبُ الذِّكْرِ له عَقِبَها لأنه يأتي به في محلِّهِ الذي يَنْصَرِفُ إليه، ولا يَفوتُ بفعْلِ الرَّاتِبَةِ، وإنما الفائتُ به كمالُه لا غيرُه. وقضيةُ كلامِهِم حصولُ ثوابُ الذِّكْرِ وإن جَهَلَ معناه، ونَظَرَ فيه الأسنَوِيّ. ولا يأتي هذا في القُرآنِ للتَّعَبُّدِ بِلَفْظِهِ فأُثيبَ قَارِئُهُ وإن لم يَعْرِفْ مَعْناهُ، بخلافِ الذِّكْرِ لا بدَّ أن يَعْرِفَهُ ولَوْ بِوَجْهٍ. انتهى.
ويُنْدَبُ أن يَنْتَقِلَ لِفَرْضٍ أو نَفْلٍ مِنْ مَوضِعِ صلاتِهِ لِيَشْهَدَ لَهُ المَوْضِعُ حيث لَمْ تُعارِضْهُ فَضِيلَةٌ، نَحْوَ صَفَ أَوَّلٍ، فإن لم يَنتَقِلْ فَصَلَ بكلامِ إنسانٍ. والنَّفْلُ لِغَيْرِ المُعْتَكِفِ في بيتِهِ أفضَلُ إن أَمِنَ فَوْتَه، أو تَهاوُناً به، إلا في نافِلَةِ المُبكرِ لِلجُمُعَةِ، أو ما سُنَّ فيه الجماعَةُ، أو وَرَدَ في المَسْجِدِ كالضُّحى، وأن يكونَ انتِقَالُ المأمومِ بعدَ انتقالِ إمامِهِ. (ونُدِبَ) لِمُصَلَ (تَوَجُّهٌ لِنَحْوُ جِدارٍ) أو عَمودٍ من كلّ شاخِصٍ طولُ ارتفاعِهِ ثُلُثا ذِراعٍ فأكْثَر. وما بينه وبين عَقِب المُصلِّي ثلاثة أَذْرُع فأقَلّ، ثم إن عَجِزَ عنه (ف) لِنَحْوِ (عَصاً مَغْرُوزَة) كَمَتاعٍ، (ف) إن لم يَجِدْهُ نُدِبَ (بَسْطُ مُصَلًّى) كَسجّادَةٍ، ثم إن عَجِزَ عنه خَطَّ أمامَهُ خَطاً في ثلاثَةِ أذْرُعٍ عَرْضاً أو طُولاً، وهو أَوْلَى، لِخَبَر أبي داود: "إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ أمامَ وَجْهِهِ شَيْئاً، فإن لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصاً، فإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصاً فَلْيَخُطَّ خَطاً، ثم لا يَضُرُّهُ ما مَرَّ أمامَه". وقِيسَ بالخَطِّ المُصَلَّى، وقُدِّمَ على الخَطِّ لأنَّه أظهَرُ في المُرادِ. والتَّرتيبُ المَذْكورُ هو المُعْتَمَدُ، خِلافاً لما يُوهِمهُ كلامُ ابنُ المُقْري. فمتى عَدَلَ عن رُتْبَةٍ إلى ما دُونَها مع القُدْرَة عليها كانَتْ كالعَدَمِ. ويُسَنُّ أن لا يَجْعَلَ السُّتْرَةَ تَلْقاءَ وَجْهِهِ بل عَنْ يَمينِهِ أو يَسارِهِ، وكلُّ صَفَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَه إن قَرُبَ مِنْهُ. قال البَغَويُّ: سُتْرَةُ الإِمامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ. انتهى.
ولو تعارَضَت السُّتْرَةُ والقُرْبُ من الإِمامِ أو الصَّفِّ الأوَّل فما الذي يُقَدَّم؟ قال شيخنا: كلٌّ مُحْتَمَلٌ وظاهِرُ قولهم يُقَدَّمُ الصَّفُّ الأوَّل في مَسْجِدِهِ وإن كان خارِجَ مَسْجِدِهِ المُخْتَصّ بالمُضاعَفَةِ تقديمُ نحوِ الصَّفِّ الأَوَّل. انتهى.
وإذا صَلَّى إلى شيءٍ منها فيُسَنُّ لَهُ ولِغَيْرِهِ دَفْعُ مارّ بَيْنَهُ وبَيْنَ السُّتْرَةِ المُسْتَوْفِيَةِ للشُّروطِ، وقد تَعَدَّى بِمُرُورِهِ لِكَوْنِهِ مُكَلَّفاً. وَيْحْرَمُ المرورُ بينَهُ وبين السُّتْرَةِ حينَ يُسَنُّ له الدَّفْعُ، وإن لم يَجِدْ المارُّ سَبيلاً ما لم يُقَصِّرْ بِوُقوفٍ في طريقٍ أو في صَفَ مع فُرْجَةٍ في صَفَ آخَرَ بينَ يَدَيْهِ فَلِداخِلٍ خَرْقَ الصُّفوفِ وإن كَثُرَتْ حتى يَسُدَّها.
كره في الصلاة
(وكُرِهَ فيها) أي الصَّلاةِ، (التفاتٌ) بِوَجْهٍ بلا حاجَةٍ. وقيل: يَحْرُمُ. واختيرَ لِلخَبِر الصَّحيحِ: "لا يَزالُ اللّهُ مُقْبِلاً على العَبْدِ في مُصَلاَّه أي بِرَحْمَتِهِ ورِضاهُ ما لم يَلْتَفِتْ، فإذا الْتَفَتَ أَعْرَضَ عَنْهُ". فلا يُكْرَهُ لِحاجَةٍ، كما لا يُكْرَهُ مُجَرَّدُ لَمْحِ العَيْنِ (ونَظَرٌ نَحْوَ سَماءٍ) مما يُلْهي، كَثَوْبٍ له أعْلامٌ لِخَبَرِ البُخارِيّ: "ما بالُ أَقْوامٍ يَرْفَعونَ أبصارَهُم إلى السَّماءِ فِي صَلاتِهِم". فاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذلك حتى قال: "لِيَنْتَهُنَّ عن ذِلكَ أو لَتُخْطَفَنّ أبْصارهُم". ومن ثَمّ كُرِهَتْ أيضاً في مُخَطَّطٍ أو إليه أو عليه لأنه يَخِلّ بالخُشوعِ. (وبَصْقٌ) في صَلاتِهِ، وكذا خارِجِها، (أماماً) أي قِبَلَ وَجْهِهِ، وإن لم يَكُنْ مَنْ هو خَارِجها مُسْتَقْبِلاً، كما أطلَقَهُ النَّوَوِيّ (ويَميناً) لا يَساراً، لِخَبَر الشيخين: "إذا كان أحَدُكُمْ في الصَّلاةِ فإنَّهُ يُناجِي رَبَّهُ عزَّ وجَلَّ، فلا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ولا عَنْ يَمِينِهِ، بل عَنْ يَسارِهِ أو تَحْتَ قَدَمه اليُسْرَى أو في ثَوْبٍ مِنْ جِهَةِ يَسارِه". وهو أَوْلى. قال شيخنا: ولا بُعْدَ في مَراعاةِ مَلَكِ اليَمينِ دون مَلَكِ اليسارِ إظهاراً لِشَرَفِ الأَوَّل، ولو كان على يَسارِهِ فَقط إنسانٌ بَصَقَ عن يَمينِهِ، إذا لم يُمْكِنْهُ أن يُطَأطِىءَ رَأْسَهُ، ويَبْصُقَ لا إلى اليَمينِ ولا إلى اليَسارِ. وإنما يَحْرُمُ البِصاقُ في المَسْجِدِ إن بَقِيَ جُرْمُهُ لا إن اسْتُهْلِكَ في نَحْوِ ماء مَضْمَضَةٍ وأصابَ جُزْءاً من أجزائِهِ دُونَ هَوائِهِ. وزَعْمُ حُرْمَتَهُ في هَوائِهِ وإن لم يُصِبْ شيئاً من أجزائِهِ بعيدٌ غير مُعْوَّلٍ عليه، ودُونَ تُرابٍ لم يَدْخُلْ في وَقْفِهِ. قيل: ودُونَ حُصُرِهِ، لكن يَحْرُمُ عليها مِن جِهَةِ تَقْذِيرِها كما هو ظاهِرٌ. اه. ويجبُ إخراجُ نَجَسٍ منه فَوْراً عَيْنِياً على من عَلِمَ به، وإن أَرْصَدَ لإِزالَتِهِ مَنْ يَقومَ بها بِمَعْلومٍ، كما اقتضاهُ إطلاقُهُم. ويحرُمُ بَوْلٌ فيهِ ولو في نَحْوِ طِشْتٍ. وإدخالُ نَعْلٍ مُتَنَجِّسَةٍ لم يَأْمَن التَّلويثَ. وَرَمْيُ نَحْو قَمْلَةٍ فيه مَيْتَةٍ وقَتْلُها في أرْضِهِ وإن قَلَّ دَمُها، وأما إلقاؤها أو دَفْنُها فيه حَيَّةً، فظاهِرُ فتاوي النَّوَوِيّ حِلّه، وظاهِرُ كلامِ الجواهِرِ تَحْريُمُه، وبه صَرَّحَ ابن يونس. ويُكْرَهُ فَصْدٌ وحِجامَةٌ فيه بإِناءٍ، ورَفْعُ صَوْتٍ، ونحو بَيْعٍ وعَمْلُ صِناعَةٍ فيه. (وكَشْفُ رَأسٍ ومنكبٍ) واضْطِباعٌ ولو مِنْ فَوْق القَمِيصَ. قال الغزالي في الإِحياءِ: لا يَرُدّ رداءَه إذا سَقَطَ، أي إلا لِعُذْرٍ، ومثله العَمَامَةَ ونحوها. (و) كُرِهَ (صَلاةٌ بِمُدافَعِة حَدَثٍ) كَبَوْلٍ وغائِطٍ وَرِيحٍ، لِلْخَبَرِ الآتي، ولأنها تُخِلُّ بالخُشوعِ. بل قال جَمْعٌ: إن ذَهَبَ بها بَطَلَتْ. ويُسَنّ له تَفْريغُ نَفْسِهِ قبل الصَّلاةِ وإن فاتَت الجَماعَةُ، ولَيْسَ له الخُروجُ من الفرْضِ إذا طَرَأتْ له فيه، ولا تَأخِيرُهُ إذا ضاقَ وَقْتُه. والعِبرةُ في كَراهَةِ ذلك بِوُجودِها عندَ التَّحَرُّمِ. وينبَغِي أن يلحقَ به ما لو عَرَضَتْ له قَبْلَ التَّحَرُّمِ فزالَتْ وعَلِمَ مِنْ عادَتِهِ أنها تعودُ إليه في الصَّلاةِ. وتُكْرَهُ بِحَضْرَةِ طعامٍ أو شرابٍ يُشْتَاقُ إليه، لِخَبَرِ مُسْلِم: "لا صَلاة أي كامِلَةً بِحَضْرَةِ طَعامٍ، ولا صَلاةَ وهُو يُدافِعُهُ الأخْبَثانِ أي البَوْلُ والغائِطُ ".
(و) كُرِهَ صلاةٌ في طرِيقِ بُنْيانٍ لا بَرِّيَّةٍ، ومَوْضِعِ مَكْسٍ، و (بِمَقبرةٍ) إن لم يَتَحَقَّقْ نَبْشَها، سواء صَلّى إلى القبرِ أم عليه أم بِجانِبِهِ، كما نصَّ عليه في الأم. وتحرُمُ الصَّلاةُ لِقَبْر نبيِّ أو نحوَ وَلِيّ تَبَرُّكاً أو إعْظاماً. وبحثَ الزَّينُ العِراقيّ عدمَ كراهَةِ الصَّلاةِ في مسجِدٍ طرأَ دَفْنُ النَّاسِ حَوْلَه وفي أرضٍ مَغْصُوبَةٍ. وتَصُحّ بلا ثَوْبِ كما في ثَوْبٍ مَغْصوبٍ، وكذا إن شَكَّ في رِضا مالِكِهِ لا إن ظَنَّهُ بِقَرِينَةٍ. وفي الجِيلِيّ: لو ضاقَ الوَقْتُ وهُوَ بأَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَحْرَمَ ماشياً. ورَجَّحَهُ الغَزِّيُّ. قال شيخنا: والذي يَتَّجِهُ أنه لا يَجُوز له صَلاةُ شِدَّةِ الخَوْفِ وأَنَّهُ يَلْزَمهُ التَّرْكُ حتى يَخْرُجَ منها، كما له تَرْكُها لِتَخْلِيصِ مالِهِ لو أُخِذ منه، بل أَوْلى.